من كملت له شروط وجوب الحج وجب عليه أن يحج على الفور ولم يجز له تأخيره، ويأثم إن أخَّره بلا عُذرٍ؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم: (( تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له ) )، وهذا لفظ أحمد، ولفظ أبي داود: (( من أراد الحجّ فليتعجّل ) )، ولفظ ابن ماجه: (( من أراد الحجَّ فليتعجَّل، فإنه قد يمرض المريض، وتضلُّ الدّابّة، وتعرض الحاجة ) ) [1] .
فأمر بالتعجيل والأمر يقتضي الإيجاب [2] ؛ ولهذا ثبت عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: (( لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له جدة ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين ) ) [3] ، وفي رواية أنه قال: ليمت يهوديًا أو نصرانيًا - يقولها ثلاث مرات - رجل مات ولم يحج، ووجد لذلك سَعَة، وخُلِّيت سبيله [4] ، فإذا وجدت هذه الشروط في شخص فقد وجب عليه الحج [5] .
(1) مسند أحمد، 5/ 58، برقم 2867، ورقم 1833،وأبو داود، كتاب المناسك، بابٌ، برقم 1732، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب الخروج إلى الحج، برقم 2883،وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 1/ 325،وفي صحيح سنن ابن ماجه،3/ 5،وفي إرواء الغليل، 4/ 168.
(2) انظر: شرح العمدة في مناسك الحج والعمرة لابن تيمية، 1/ 206، ومجموع فتاوى ابن باز في الحج، 5/ 243، والمغني لابن قدامة، 5/ 36، وأضواء البيان، للشنقيطي، 5/ 125.
(3) رواه سعيد ابن منصور في سننه، وصححه ابن حجر في التلخيص الحبير موقوفًا، 2/ 223.
(4) رواه البيهقي في السنن الكبرى،4/ 334،وصححه ابن حجر في التلخيص الحبير موقوفًا، 2/ 223.
(5) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى هل الحج يجب إذا اكتملت الشروط على الفور أم على التراخي فيجوز تأخيره إلى وقت آخر؟ على قولين:
القول الأول: قول الجمهور: وهو أن الحج يجب على الفور إذا اكتملت شروط وجوبه، قال الإمام ابن قدامة في المغني، 5/ 36: (( وجملة ذلك أن من وجب عليه الحجُّ وأمكنه فعله وجب عليه على الفور، ولم يجز له تأخيره، وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك ) ).
واستدل الجمهور على وجوب الحج على الفور بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [سورة آل عمران، الآية: 97] ، وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أيها الناس قد فرض اللَّه عليكم الحج فحجُّوا ... ) ) [مسلم، برقم 1337] ، والأصل في الأمر أن يكون على الفور؛ ولهذا غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الحديبية عندما أمر أصحابه بالحلق والإحلال وتباطؤوا [انظر: صحيح البخاري، برقم 2731، 2732] ، وقد جاء أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتعجل إلى الحج، فقال: (( تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له ) ) [أحمد، برقم2867، وأبو داود، برقم 1732، وابن ماجه، برقم 2883، وصححه الألباني، وتقدم تخريجه] ، فأمر بالتعجيل والأمر يقتضي الإيجاب، ولأن اللَّه أمر بالاستباق إلى الخيرات فقال: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ... } [البقرة: 148] والتأخير خلاف ما أمر به.
وهذا هو الصواب: وهو أن الحج يجب على الفور؛ لما تقدم، وقد رجحه شيخنا ابن باز: وأن الحج يجب على الفور في أصح قولي العلماء [مجموع الفتاوى لابن باز، 16/ 30، 121، 348، 353، 358] ، وكذا قال ابن عثيمين في الشرح الممتع، 7/ 16: (( الصواب أنه واجب على الفور ) )، وهو مذهب الحنابلة، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وهو قول الجمهور.
القول الثاني: أن الحج يجب وجوبًا موسعًا: أي على التراخي، وله تأخيره، وهو قول الشافعي رحمه اللَّه، واحتجوا بالقياس على الصلاة في الوقت: إن شئت صلها في أوله، أو في آخره، والعمر هو وقت الحج، فإن شاء حج أول العمر أو آخره، واحتجوا أيضًا بأن اللَّه فرض الحج في السنة السادسة بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله} [البقرة: 196] ، ولم يحج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا في السنة العاشرة.
ولكن الصحيح أنه يجب على الفور؛ للأدلة السابقة في قول الجمهور، وأما القول: إن عمر الإنسان كله وقت للحج، فهذا صحيح، لكن جاءت الأدلة بالأمر بالتعجيل؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، وأما قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله} فهذا ليس أمرًا بهما ابتداءً، ولكنه أمر بالإتمام بعد الشروع فيهما، وأما فرض الحج فالصواب أنه فرض في السنة التاسعة، ولم يحج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا في العاشرة؛ لكثرة الوفود عليه في تلك السنة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان. [انظر: المغني لابن قدامة، 5/ 36 - 37، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، 8/ 50 - 51، وشرح العمدة لابن تيمية، 1/ 198 - 229، والشرح الممتع لابن عثيمين، 7/ 18، والفروع لابن مفلح، 5/ 251 - 254، والروض المربع المحقق، 5/ 18] . قال العلامة الشنقيطي رحمه اللَّه تعالى: (( اختلف أهل العلم في ذلك، وسنبين هنا إن شاء اللَّه أقوالهم، وحججهم، وما يرجحه الدليل عندنا من ذلك:
فممن قال: إن وجوبه على التراخي: الشافعي وأصحابه، قال النووي: وبه قال الأوزاعي، والثوري، ومحمد بن الحسن، ونقله الماوردي عن ابن عباس، وأنس، وجابر، وعطاء، وطاوس.
وممن قال إنه على الفور: الإمام أحمد، وأبو يوسف، وجمهور أصحاب أبي حنيفة، والمزني ...
أما مذهب مالك فعنه في المسألة قولان مشهوران كلاهما شهره بعض علماء المالكية: أحدهما أنه على الفور، والثاني أنه على التراخي ... )) . ثم ذكر رحمه اللَّه أدلة كل فريق بالتفصيل، ثم بيّن ما ردَّ به كل فريقٍ على من خالفه، ثم قال رحمه اللَّه: (( أظهر القولين عندي وأليقهما بعظمة خالق السموات والأرض: هو وجوب أوامره جل وعلا كالحج على الفور، لا على التراخي؛ لما قدمنا من النصوص الدالة على الأمر بالمبادرة، وللخوف من مباغتة الموت كقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران، الآية: 133] ، ولما قدمنا معها من الآيات، وكقوله: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّه مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} [الأعراف، الآية: 185] ، ولما قدمنا من أن الشرع، واللغة، والعقل كلها تدل على أن أوامر اللَّه تجب على الفور، وقد بيّنا أوجه الجواب عن كونه - صلى الله عليه وسلم - لم يحجّ حجّة الإسلام إلا سنة عشر، والعلم عند اللَّه تعالى ) ) [أضواء البيان، 5/ 108، 125] .