يُحتاج إليه، والله تعالى موصوف بأنه كريم، والقرآن موصوف بأنه كريم. فالرزق الكريم هو الشريف الفاضل الحسن. وقال هشام بن عروة: يعني ما أعد الله لهم في الجنة من لذيذ المآكل والمشارب وهناء العيش. وأقول: يجب ههنا أن نبين أن اللذات الروحانية أكمل من اللذات الجسمانية، وعند هذا يظهر أن الرزق الكريم هو اللذات الروحانية؛ وهي معرفة الله ومحبته والاستغراق في عبوديته.
فإن قال قائل: ظاهر الآية يدل على أن الموصوف بالأمور الخمسة محكوم عليه بالنجاة من العقاب وبالفوز بالثواب، وذلك يقتضي أن لا تكليف على العبد فيما سوى هذه الخمسة؛ وذلك باطل بإجماع المسلمين؛ لأنه لا بد من الصوم والحج وأداء سائر الواجبات.
قلنا: إنه تعالى بدأ بقوله: (الذين إذا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قلوبُهم وإذا تُلِيَتْ عليهم آياتُه زادتْهُم إيمانًا وعلى ربِّهم يتوكَّلُون) وجميع التكاليف داخل تحت هذين الكلامين، إلا أنه تعالى خص من الصفات الباطنة التوكل بالذكر على التعيين، ومِن الأعمال الظاهرة الصلاة والزكاة على التعيين؛ تنبيهًا على أن أشرف الأحوال الباطنة التوكل، وأشرف الأعمال الظاهرة الصلاة والزكاة.
ثم ذكر ثواب المؤمنين حقًّا فقال: (لهم درجاتٌ عندَ ربِّهم) أي: عالية بحسب علو أعمالهم. (ومغفرةٌ) لذنوبهم (ورزقٌ كريمٌ) وهو ما أعد الله لهم في دار كرامته، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ودل هذا على أن مَن لم يصل إلى درجتهم في الإيمان -وإن دخل الجنة- فلن ينال ما نالوا مِن كرامة الله التامة.