(وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) أي: وليغيرنَّ حالهم من الخوف إلى الأمن. قال الربيع عن أنس: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، وإلى عبادته وحده لا شريك له؛ وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال، حتى أُمروا بعدُ بالهجرة إلى المدينة فقدموها، فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين، يُمسون في السلاح ويُصبحون في السلاح، فغبروا على ذلك ما شاء الله، ثم إن رجلا من الصحابة قال: يا رسول الله! أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لن تَغْبُروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس فيه حديدة" [1] ، فأنزل الله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا .. ) إلى آخر الآية.
ثم أتبع ذلك بتعليل التمكين وما بعده بقوله: (يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) أي يعبدوننى غير خائفين أحدا غيري.
وقد كان المسلمون واثقين بالأمن، ولكن الله قدم على وَعْدهم بالأمن أن وَعَدهم بالاستخلاف في الأرض وتمكين الدين والشريعة فيهم؛ تنبيها لهم بأن سنة الله أنه لا تأمن أمة بأس غيرها حتى تكون قوية مكينة مهيمنة على أصقاعها. ففي الوعد بالاستخلاف والتمكين وتبديل الخوف أمنا إيماء إلى التهيُّؤ لتحصيل أسبابه مع ضمان التوفيق لهم والنجاح إن هم أخذوا في ذلك، وأنَّ مِلاك ذلك هو طاعة الله
(1) تغبروا: تمكثوا - الاحْتبَاء: هو أن يَضم الإنسان رِجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويَشُدُّه عليها. وقد يكون الاحتباء باليدين عوَض الثوب.