الحياة، ومرت بي السنون الطوال عقب تعهدي بهذه المقولة أيقنت عظمها وجلالها، ورأيت أنها جديرة بالتقدير
والنظر والتعهد، وأن الاستقامة نعمة جليلة ومنة عظيمة.
وما أجمل أيام البدايات، وما أحلى تلك الساعات، فتذكرها يفعل في النفوس الأفاعيل، وينفي عنها كثيرا من الأضاليل، وينقيها من التخاذل والأباطيل، ومَن منا لا يذكر كيف كانت همته وعزيمته، وكيف كانت عبادته واستقامته، وقد كان السلف يمدحون المستقيم على العبادة الجليلة والتقرب الكثير بقولهم:"هو كالحدث الناشئ في العبادة"؛ ذلك لأن الحدث المبتدئ هو غير المتشبع المنتهي، فالمبتدئ عظيم الحماس، قوي العمل، متصل الأمل، راغب في التكثر من الطاعات، يرى المعاصي الصغيرات، والمخالفات اليسيرات كالجبال الشاهقات، فمن ظل هكذا إلى الممات، وغالَبَ السنن وقهر العقبات، وقفز فوق الحواجز وتجاوز النوازل الملمات، كان حقيقا بتلك المقولة الجليلة، ومن أهل تلك المرتبة العظيمة: الاستقامة، وهي حقا إن تمادت إلى غايتها، واتصلت إلى الممات كانت عين الكرامة، ودلت على عناية الله بالعبد وأية عناية.
لكن مَن منا مَن لم يقارف، وتتقاذفه أمواج الحياة هنا وهنالك فيشارف، ولذلك شرعت التوبة، وطُلب الاستغفار، واحتال العبد لنفسه حتى يبلغ منازل الأبرار، والسعيد من اتعظ بغيره لا من وُعظ به غيره.