لقد كان منهج الفقهاء الذين تصدروا شئون الدولة المرابطية آنذاك يقوم على الابتعاد عن المصدرين الرئيسيين للتشريع، وهما: القرآن والسنة، والتمسك الشديد بآراء الفقهاء؛ حتى ولو لم يعرفوا لها سندا من الكتاب والسنة! وقد بلغ الأمر بهم أن أحد الناس قال لرجل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول كذا .. فرد عليه الآخر: لكني أعتقد أن الإمام مالكا يقول كذا .. !!
وهكذا ذهبت آراء الفقهاء في نظرهم مذهب التقديس والغلو المبالغ فيه.
وقد أمات الفقهاء واجب"الحسبة"؛ وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم يقوموا بتغيير نواحي التحلل التي ظهرت في الدولة، وكان بإمكانهم لتمكنهم من الحكم أن يقوموا على تغييرها، لكنهم جاروا العامة في
غرائزها، بل قاوموا المخلصين الذين حاولوا التغيير
ورموهم بالكفر والمروق.
بقي أن نقول: إن الفقيه أبا القاسم بن حمدين زعيم الفقهاء في هذه الفوضى، وأكبر المكفرين للإمام الغزالي، بل المكفر لكل من قرأ كتاب"الإحياء"؛ كان يمثل نموذجا لكثير من الدجالين المتاجرين بالإسلام؛ والإسلام منهم براء ..
ومع ألسنة النار المندلعة من نسخ كتاب"الإحياء"التي أُحرقت في مشهد علي بجامع قرطبة؛ كانت ألسنة نيران حركة التاريخ التي تقودها سنة الله التي لا تتخلف تأكل دولة المرابطين التي تركت أمرها لمجموعة من ضيقي الأفق ومرتزقة الكلمة؛ الذين رأوا المنكر فاشيا