وقد انتهى ذلك ببعثة النبي الذي خاطبه الله بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:10] ، وقد مضت سنة الله في الأمم أن الذين يقترحون الآيات لا يؤمنون بها، ومن ثَم لم يعط الله تعالى رسوله شيئا مما كانوا يقترحونه عليه.
والثاني: أجل مقدر لحياة الأمم سعيدة عزيزة باستقلالها ومكانتها بين الأمم؛ وهذا منوط بسنن الله في الاجتماع البشري وعوامل الرقي والعمران.
وأسباب انتهاء هذا الاجتماع لا تعدو مخالفة ما أرشدت إليه الآيات السالفة كإسراف في الزينة أو إسراف في التمتع بالطيبات، أو باقتراف الفواحش والآثام والبغي على الناس، أو بالتوغل في خرافات الشرك والوثنية، أو بالكذب على الله بإرهاق الأمة بما لم يشرعه الله لها من الأحكام.
فالأمم التي ترتكب هذه الضلالات والمفاسد يسلبها الله سعادتها ويسلط عليها من يستذلها كما قال تعالى: {وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102] .
وهاكم شاهد صدق على ما نقول: إن الأمم التي كان لها شأن يذكر في التاريخ، كالرومان والفرس والعرب والترك وغيرهم ممن سُلب ملكهم كله أو بعضه؛ لم يكن لذلك من سبب سوى ما أسلفنا.
وهذا الضرب من الأجل وإن عُرفت أسبابه، لا يمكن أن يُحدَّ بالسنين والأيام، ولكن الله يعلم تحديده بما أوجده من الأسباب التي تنتهي بمسبباتها، وبالمقدمات التي تترتب عليها نتائجها، كما قال: {فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} الساعة لغة: أقل مدة من الزمن. أي: فإذا جاء الوقت الذي وقَّته الله لهلاكهم وحلول العقاب بهم لا يتأخرون عنه بالبقاء في الدنيا أقل تأخر، كما أنهم لا يتقدمون أيضا عن الوقت الذي جعله لهم وقتا للفناء والهلاك.
وفي الآية إيماء إلى أن الأمة قد تملك طلب تأخير الهلاك قبل مجيئه أي قبل أن تغلبها على إرادتها أسباب الهلاك؛ بأن تترك الفواحش والآثام والظلم والبغي والإسراف المفسد للأخلاق وخرافات الشرك المفسدة للعقول، وتترك البدع
في التحريم والتحليل بما لم يخاطب به المولى عباده، بأن يقوم فيها جماعة من المصلحين فيرشدوها إلى تغيير ما بأنفسها من الفساد، فيغيِّر الله ما بها.
وهذا من استيخار الهلاك أو منعه عنها قبل مجيء أجلها.
وتأثير الفسق والفساد في الأمم يشبه تأثيره في الأفراد، فكما أن الأطباء متفقون على أن السُّكر من أسباب الأمراض البدنية والعقلية التي تفضي إلى الموت، وعلى أن تأثيره في البدن القوى دون تأثيره في البدن الضعيف، وعلى أن القليل منه يبطيء تأثير ضرره عن تأثير ضرر الكثير منه؛ كذلك أطباء الاجتماع متفقون على أن الإسراف في الفسق والترف مفسد للأمم، وأن الظلم والبغي والغلوّ في المطامع من أسباب الهلاك والدمار، ولكن .. قد يكون لدى بعضها ما تقاوم به تأثير هذه الأدواء الاجتماعية، كالنظام ومراعاة سنن الاجتماع حتى في إخفاء الظلم، وإتقان الوسائل والأسباب في إلباس العدل وإبراز إفسادها في صورة الإصلاح، وإيجاد أنصار من المظلومين يساعدون