فانظر إلى هذا الحب وهذا التفاني وذلك الولاء، وقوة النصرة! إنه ت وهو في مكانه البعيد عن رسول الله؛ لا يرضى أن تمس رسول الله خ شوكة، فضلا عن أن يصيبه أكبر من ذلك!!
• كان مصعب بن عمير حامل لواء المسلمين في غزوة"بدر"، وكان أخوه"أبو عزيز بن عمير"في صف المشركين، ثم وقع أسيرًا في يد أحد الأنصار، فقال مصعب للأنصاري: اشدد عليه يدك؛ فإنَّ أمه ذات متاع وستفديه بمال كثير. فقال أبو عزيز: أهذه وصيتك بي وأنا أخوك؟ فقال مصعب: إنه أخي دونك.
وقال الألوسي في"روح المعاني": [لما أُسِر أخوه"أبو عزيز"، ولم يُشَد وثاقُه إكرامًا له، وأُخبِر بذلك؛ قال: ما هو لي بأخ! شدوا أسيركم؛ فإنَّ أمه أكثر أهل البطحاء حُلِيًّا ومالًا!] أ. هـ
• قيل لـ أم صفوان بن أمية بعد إسلامها، وقد نظرتْ إلى"الحباب بن المنذر"بمكة: هذا الذي قطع رِجل"عليّ بن أمية"يوم بدر. فقالت: دعونا مِن ذكر مَن قُتِل على الشرك! قد أهان الله"عليًّا" (وهو ابنها) بضربة"الحباب بن المنذر"، وأكرم الله"الحباب"بضربه"عليًّا"!!
هكذا .. بمجرد ما خالط الإيمان بشاشة قلبها صار ولاؤها كاملا للمؤمنين، وبغضها للكافرين وإن كانوا مِن أبنائها.
• أخرج أبو إسماعيل الأزدي مِن حديث سعيد بن العاص أنَّ رجلا مِن المسلمين قال لـ خالد بن سعيد بن العاص، وقد تهيأ للخروج مع"أبي عبيدة بن الجراح": لو خرجتَ مع ابن عمك"يزيد بن أبي سفيان"كان أمثل مِن خروجك مع غيره! [1] فقال خالد: ابن عمي أحب إليّ مِن هذا في قرابته، وهذا أحب إليّ مِن ابن عمي في دينه .. هذا كان أخي في ديني على عهد رسول الله خ، ووليي وناصري على ابن عمي قبل
اليوم، وأنا أشد استئناسًا إليه، وأشد طمأنينة مني بغيره.
وهذا موقف إيماني جليل مِن"خالد بن سعيد بن العاص"؛ حيث قدَّم رابطة الدين على رابطة النسب .. ففضَّل أنْ يكون تابعًا للرجل الأتقى والأقدم إسلامًا وجهادًا وإنْ كان بعيدًا عنه في النسب. [السيرة النبوية للصلابي]
• أبو بكر محمد بن علي النابلسي، كبير أهل مدينة الرملة، وفقيه مطاع في بلده. كان زاهدا، مالكي المذهب، ذا رئاسة وظهور. وكان شديدا على بني عُبيد [2] حين ملكوا مصر
(1) فرَّق أبو بكر الجيش الإسلامي أربعة جيوش، وعيّن لكل جيش إقليمًا مِن أقاليم الشام، وجعل على قيادة هذه الجيوش كلا مِن: أبي عبيدة بن الجراح ووجهه إلى حِمص، ويزيد بن أبي سفيان ووجهه إلى دمشق، وشرحبيل بن حسنة ووجهه إلى الأردن، وعمرو بن العاص ووجهه إلى فلسطين.
(2) المتسمون زورًا بالفاطميين؛ انتسابًا إلى فاطمة رضي الله عنها. وقد خرجوا على الخلافة العباسية، وأقاموا الدولة الفاطمية في مصر والشام. وهم من ذرية"عبد الله بن ميمون القداح"المعروف بالكفر والنفاق والضلال، والمشهور بعداوته لأهل الإيمان، ومعاونته لأهل الكفر والعدوان، ومن ذريته كان حكام بني عبيد الذين ظهروا في مصر في القرن الرابع الهجري وما بعده.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيهم:"وهؤلاء القوم تشهد عليهم الأمة وأئمتها أنهم كانوا ملحدين زنادقة، يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وجمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد اليهود أو المجوس، وهم يدّعون علم الباطن الذي مضمونه الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعندهم: لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور .. ويستهينون باسم الله ورسوله حتى يكتب أحدهم (الله) في أسفل نعله! سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا". وقد كان لصلاح الدين الأيوبي الفضل -بعد توفيق الله عز وجل- في القضاء على الدولة الفاطمية، وإحلال المذهب السني محل المذهب الشيعي. يقول الإمام الذهبي في"السير": [استأصل شأفة بني عبيد. ومحق دولة الرفض. وكانوا أربعة عشر متخلفا لا خليفة، والعاضد في اللغة القاطع، فكان هذا (العاضد آخر خلفاء العبيديين) عاضدا لدولة أهل بيته.] وقد سماهم السيوطي في"تاريخ الخلفاء"بـ"الدولة الخبيثة العبيدية".