إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاة اتخذوها هُزُوًا وَلَعِبًا ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ [المائدة:57 - 58] ، فكل من هزأ بشيء من الدين أو اتخذه لعبا ولهوا فإنه يخشى عليه من تناول هذه الآية إياه.
ذكر المقابلة هنا بين (عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) فيه إبراز صورة الحال وتقبيح الفعل؛ لأن العداوة تتنافى مع الموالاة والمساواة للعدو بالمودة، وقد ناقش بعض المفسرين قضية التقديم والتأخير في تقديم (عدوي) أولا، وعطف (عدوكم) عليه، فقال الفخر الرازي: التقديم لأن عداوة العبد لله بدون علة، وعداوة العبد للعبد لعلة، وما كان بدون علة فهو مقدم على ما كان بعلة.
والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن التقديم لغرض شرعي وبلاغي، وهو أن عداوة العبد لله هي الأصل، وهي أشد قبحا، فلذا قدمت، وقبحها في أنهم عبدوا غير خالقهم، وشكروا غير رازقهم، وكذبوا رسل ربهم وآذوهم.
وقد جاء في الأحاديث القدسية ما يُستأنس به في ذلك فيما رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ما نصه:"إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويُعبَد غيري، وأرزق ويُشكَر غيري .."، وفيه:"خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبَّب إليهم بالنعم ويتبغضون إليّ بالمعاصي ..".
كما أن تقديمه يؤكد بأنه هو السبب في العداوة بين المؤمنين والكافرين، وما كان سببا فحقه التقديم.
ويدل على ما ذكرنا من أنه الأصل، أن الكفار لو آمنوا بالله وانتفت عداوتهم لله لأصحبوا إخوانا للمؤمنين وانتفت العداوة بينهما.