فهرس الكتاب

الصفحة 528 من 1021

ثم بين هذا الأجر العظيم فقال: (دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً) هذه الدرجات هي ما ادخره الله لعباده من المنازل الرفيعة التي يقصر الحصر عن عدها، كما قال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [الإسراء:21] ودرجات الآخرة مبنية على درجات الدنيا من قوة الإيمان بالله، وإيثار رضاه على الراحة والنعيم، وترجيح المصلحة العامة على الشهوات

الخاصة.

والمغفرة المقرونة بهذه الدرجات هي المغفرة لما يفرط منهم من الذنوب التي لا تكفِّرها سائر الحسنات التي يأتي بها القاعدون.

والرحمة هي ما يخصهم به الرحمن زيادة على ذلك من فضله وإحسانه، وقد صح من حديث أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة قال:"إنَّ بالمدينةِ أقوامًا ما سِرتُم مَسيرًا ولا قطعتُم واديًا إلا كانوا معكم". قالوا: يا رسول الله! وهم بالمدينة؟ قال:"وهُمْ بالمدينةِ حَبَسَهُمُ العُذرُ".

وتأمل حسن هذا الانتقال من حالة إلى أعلى منها؛ فإنه نفى التسوية أولا بين المجاهد وغيره، ثم صرَّح بتفضيل المجاهد على القاعد بدرجة، ثم انتقل إلى تفضيله بالمغفرة والرحمة والدرجات ..

وهذا الانتقال من حالة إلى أعلى منها عند التفضيل والمدح، أو النزول من حالة إلى ما دونها عند القدح والذم؛ أحسن لفظا وأوقع في النفس. وكذلك إذا فضَّل تعالى شيئا على شيء، وكل منهما له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت