وليس معنى هذا أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - استشعر من كعب بن مالك أو سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنهما - ضعف التوكل واليقين، فنهاهما عن التصدق بكلِّ المال؛ لأنه لا يجوز أن نتوهم في الصحابة مثل هذا!!
وإنما أمرهما الرسول - صلى الله عليه وسلم - بذلك ليتأسى ويقتدي بهما ضعفاء التوكُّل مِن بعدهما، خشية أن يقتدوا بالأقوياء من الصحابة، فيقعوا في الندم بعد الإنفاق فتنقص أجورهم .. إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالنجوم، بأيهم اقتدى المسلمون اهتدوا .. فمَن كان عنده ضعف في اليقين والتوكل؛ فلينفق بعض ماله، وليترك البعض اقتداءً بكعب بن مالك وسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنهما - .. ومَن كان عنده قوة في اليقين والتوكل فلينفق كيف يشاء، ولو أنفق كلَّ ماله فهو مأجور، اقتداءً بأبي بكر الصديق - رضي الله عنه -.
أما ترك الإنفاق في سبيل الله مع القدرة عليه، فهذا إلقاءٌ باليد إلى التهلكة،
ولا يجوز أن يفعله المسلم، ولا رخصة فيه.
وتجدر الإشارة هنا إلى هذه الحادثة التي أوردها الشيخ الطنطاوي - رحمه الله -، وهي عِبرة ومثل للأمة عامة، وللتجار وأصحاب الأموال خاصة، ويظهر فيها ما للشح من آثار على صاحبه، وعلى الأمة جمعاء، حيث يقول - رحمه الله: ذهبتُ سنة ست وأربعين إلى مصر، وكان الطريق على فلسطين، فأقمت فيها عشرة أيام، وكان لي فيها أصدقاء من الوطنيين العاملين، فلُمتُهم على قعودهم وقيام اليهود، وإهمالهم