قال: يا ابني .. الله يرضى عليك، اتركني بحالي، أنا رجل بياع شراء، لا أفهم في السياسة، وليس لي بها علاقة، هذا مالي حصَّلتُه بعرق جبيني، وكَدِّ يميني، ما سرقته سرقة، فهل تريد أن أدفعه، وأن أبقى أنا وأولادي وأحفادي بلا شيء .. ؟!
قلت: ما نطلب مالك كله، ولكن نطلب عُشره.
قال: دفعتُ ما عليّ، وما قصرتُ .. !
يا سادة! هذه حادثة، أرويها لكم كما وقعت، و لو كان يجوز لي، لعينت البلد والتاجر، ولولا أن قرأت في جريدة من الجرائد قصة مثلها، ما عرضتُ لها.
ومرت سبع سنوا ت .. وذهبتُ من سنتين إلى المؤتمر الإسلامي في القدس، ومررنا في الطريق بمخيم للاجئين، وأقبل الناس يسلمون علينا، وإذا أنا بشيخ أبيض اللحية، محني الظهر، غائر الصدغين، رث الثياب، أحسستُ لما التقت العينان، كأن قد برقت عيناه برقة خاطفة، وكاد يفتح فمه بالتحية، ثم تماسك وأغضى، وارتبك كأنه يريد الفِرار، فلما انتهى السلام راغ مني وانتهى في غمار الناس، ولبثتُ أفكر فيه، مَن هو، وأين قابلته؟ فما لبثتُ أن ذكرت، وتكشف لي المنسي فجأة، كأني كنت في غرفة مظلمة سطع فيها النور ..
إنه هو .. هو يا سادة .. !!
وكلَّمتُه فتجاهلني، فلما ألححتُ عليه اعترف، ولم أشمت به، ومعاذ الله أن يراني انحدرت إلى هذا الدرك .. ولم أزعجه بلوم أو عتاب، ولكن كان في نظرتي ما يوحي بالكلام؛ لذلك استبقني فقال: