لهم إرادة، فكيف العمل للعلو في الأرض على عباد الله، والتكبر عليهم وعلى الحق (وَلا فَسَادًا) وهذا شامل لجميع المعاصي، فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض والإفساد، لزم من ذلك أن تكون إرادتهم مصروفة إلى الله، وقصدهم الدار الآخرة، وحالهم التواضع لعباد الله، والانقياد للحق والعمل الصالح.
قال الزمخشري: لم يُعلِّق الموعد بترك العلوّ والفساد، ولكن بترك إرادتهما، وميل القلوب إليهما. كما قال: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [هود:113] ، فعلق الوعيد بالركون. وعن علي - رضي الله عنه: إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه؛ فيدخل تحتها. وعن الفضيل أنه قرأها ثم قال: ذهبت الأماني ها هنا. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يرددها حتى قُبض.
وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: مر علي بن الحسين وهو راكب على مساكين يأكلون كسرا لهم، فسلم عليهم، فدعوه إلى طعامهم، فتلا هذه الآية: (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) ، ثم نزل وأكل معهم. ثم قال: قد أجبتُكم فأجيبوني. فحملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم وصرفهم.
وهؤلاء هم المتقون الذين لهم العاقبة، ولهذا قال: (وَالْعَاقِبَةُ) أي حالة الفلاح والنجاح التي تستقر وتستمر لمن اتقى الله تعالى، وغيرهم وإن حصل لهم بعض الظهور والراحة؛ فإنه لا يطول وقته، ويزول عن قريب. وعُلم من هذا الحصر في الآية الكريمة أن الذين يريدون