إليه بادئ ذي بدء أن مثل العرب في هذه الفتوحات والغزوات كمثل الأمم من قبلهم، خرجت من أرضها تستعبد الشعوب المستضعفة وتسوقهم بعصا القهر والعنف، وتتصرف في رقابهم وأموالهم تصرف راعي الإبل في ماشيته، ومن ثم ترى أنهم انضووا في أول الأمر تحت لواء ملوك الروم والفرس، وتجندوا في جيوشهم، وبرزوا للقاء المسلمين وقتالهم.
ولكنهم لما تبين لهم أمر المسلمين وما خرجوا من ديارهم لأجله، ولما ظهر لهم أن هؤلاء العرب لا يقولون بالقومية الجائرة، وأنهم ما تدنست أذيالهم بأرجاس الأغراض القومية ..
وأنهم ما نزحوا من بلادهم إلا لإقامة نظام للحكم مؤسس على قواعد العدل والنصفة، وأنهم ما استلُّوا السيوف من أغمادها إلا
للقضاء على الطبقات الغاشمة الجائرة التي استأثرت بموارد الثراء
والرخاء من دونهم، وسامتهم أنواع الخسف والعذاب
المهيمن تحت حماية النظم الكسروية والقيصرية،
وتبوأت مناصب الألوهية عتوا
واستكبارا في الأرض
لما تبين لهم كل ذلك وشاهدوا حال الغزاة الفاتحين بأعينهم، وتجلت لهم أخلاقهم الزكية الطاهرة، مالوا بطبعهم إلى الحزب الإسلامي وبدأوا يتسللون من جيوش الروم والفرس، وإن اضطروا بعد ذلك إلى القتال في صفوفهم أو ألجأتهم الأحوال إلى ذلك.
ومن ههنا تعرف السبب الذي ساعد المسلمين على الانتصارات الباهرة والفتوح العظيمة التي أحرزوها في أول عهدهم بالحروب