في أشد الأوقات حرجا، ولم ينسوا مبادئهم في أعظم الفتوحات
انتصارا .. فأسروا أهل البلاد التي فتحوها بحسن
خلقهم وإنسانيتهم التي لا نظير لها ..
فها هم المصريون وهم يشهدون المعارك الخاطفة التي يقودها بطل الإسلام وداهية الأرض وقتذاك عمرو بن العاص؛ يعلمون أن صاحبها وجنوده يحملون في قلوبهم دعوة دينية جديدة؛ فتوقعوا أن تكون أول أعماله -إذا تم له النصر العسكري- أن يشن عليهم حملة دينية يبسط بها عقيدته في جميع مدائن الوادي وقراه .. وقد تعود المصريون قبل الفتح الإسلامي اضطهاد الحكام الديني وألفوه، وكان بطريرك الكرازة المرقسية نفسه مشردا في تلك الأيام، ومطاردا من بني دينه الأجانب لاختلاف مذهبي فرعي! فكانوا يقدِّرون أن يكون الاختلاف الكلي بين دين الحاكمين الجدد ودين البلاد المفتوحة أفدح وأسوأ عاقبة من ذلك الاختلاف المذهبي الجزئي .. ولو أن عمرًا ترك الأمور على حالها، وبقي البطريرك في الدولة الجديدة بمثل الحال التي كان عليها في زمن دولة الروم؛ لما كان في الدنيا أي مانع يمنع من ذلك، أو قوة تحول بين القائمين الجدد وبسط نظام دولتهم في كل الأمور .. وكان العرب أحرارا في ألا يعترفوا لأيٍّ كان بأي سلطان مادي أو روحي أو قضائي!
لكن الأيام ما لبثت أن تكشفت عن رفق عجيب، وتسامح كريم؛ في إزالة كل ما كان يشكوه البطريرك من اضطهاد الحكام السابقين، وأبيح له أن يتولى
من طائفته كل ما له صلة بالعقيدة والدين، وحتى الفصل في الأحوال