أرسلوا به قالوه، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، فجاوبني لأكون الذي أبلغك وهم يشهدون على ذلك لي؛ فأما ما ذكرت من سوء الحال فهي على ما وصفت وأشد، ثم ذكر من سوء عيش العرب وإرسال الله النبي خ إليهم نحو قول النعمان وقتال من خالفهم أو الجزية، ثم قال له: اختر إن شئت الجزية عن يدٍ وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك".. فقال:"لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم! لا شيء لكم عندي".. ثم استدعى بوقر من تراب فقال: احملوه على أشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن. ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه ويدفنكم معه في خندق القادسية، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم بأنفسكم بأشد مما نالكم من سابور .. !!"
فقام عاصم بن عمرو ليأخذ التراب وقال: أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء، فحمله على عنقه وخرج إلى راحلته فركبها وأخذ التراب، وقال لسعد ت: أبشر فوالله لقد أعطانا الله أقاليد مُلكهم [1] .
واشتد ذلك على جلساء الملك. وقال الملك لرستم، وقد حضر عنده من ساباط: ما كنت أرى أن في العرب مثل هؤلاء، ما أنتم بأحسن جوابا منهم، ولقد صدقني القوم، لقد وعدوا أمرًا ليُدركُنَّه أو ليموتُنَّ عليه، على أني وجدتُ أفضلهم أحمقهم حيث حمل التراب على رأسه!! فقال رستم: أيها الملك إنه أعقلهم! وخرج رستم من عند الملك غضبان كئيبا، وبعث في أثر الوفد وقال
(1) الإقليد: المفتاح، لغة يمانية، وقيل: مُعَرَّب وأصله بالرومية إقْلِيدِس، والجمع: أَقَاليد، والمقَاليد الخزائن.