وفي الغداة، وقد وضع المسلمون رحالهم ليستريحوا، بصر أحدهم فرأى سحابة من النقع والغبار تخفي وراءها شبح رجل يغذ السير .. وقال الذي رأى: يا رسول الله! هذا رجل يمشي على الطريق وحده .. فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم:"كن أبا ذر".. !
وعادوا لما كانوا فيه من حديث، ريثما يقطع القادم المسافة التي تفصله عنهم، وعندها يعرفون من هو .. وأخذ المسافر الجليل يقترب منهم رويدا .. يقتلع خطاه من الرمل المتلظي اقتلاعا؛ وحِمله فوق ظهره .. ولكنه مغتبط فرحان لأنه أردك القافلة المباركة، ولم يتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإخوانه المجاهدين ..
وحين بلغ أول القافلة، صاح صائحهم: يار سول الله! إنه والله أبو ذر ..
وسار أبو ذر صوب الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ولم يكد - صلى الله عليه وسلم - يراه حتى تألقت على وجهه ابتسامة حانية واسية، قال:"يرحم الله أبا ذر .. يمشي وحده .. ويموت وحده .. ويُبعث وحده .."
وبعد مضي عشرين عاما على هذا اليوم أو تزيد، مات أبو ذر وحيدا، في فلاة الربذة .. بعد أن سار حياته كلها وحيدا على طريق لم يتألق فوقه سواه .. ولقد بُعث في التاريخ وحيدا في عظمة زهده، وبطولة صموده .. ولسوف يُبعث
عند الله وحيدا كذلك؛ لأن زحام فضائله المتعددة، لن يترك
بجانبه مكانا لأحد سواه .. !!! [رجال حول الرسول]
لي سادةٌ مِن عزِّهِم؛ أقدامُهم فوقَ الجِباهْ