وقال الجصاص في تفسيره: سحروا أعين الناس، يعنى مَوَّهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى، كما قال: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى} [طه:66] .
فأخبر أن ما ظنوه سعيا منها لم يكن سعيا وإنما كان تخيلا. وقد قيل: إنها كانت عصيا مجوَّفة قد مُلئت زئبقًا، وكذلك الحبال كانت معمولة من جلد محشوة زئبقا. وقيل: حفروا قبل ذلك تحت المواضع أسرابا ملأوها نارا فلما طُرحت عليه وحمي الزئبق حرَّكها؛ لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير. ا. هـ
فعلى هذا يكون سحرهم لأعين الناس عبارة عن هذه الحيلة الصناعية إذا صح خبرها. ويمكن أن تكون هناك حيلة أخرى كإطلاق أبخرة أثرت في الأعين فجعلتها تبصر ذلك، أو أن الحبال والعصي جُعلت على صورة الحيات وحُركت بمحركات خفية سريعة لا تدركها أبصار الناظرين.
(وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ) : أي أوحى الله إلى عبده ورسوله موسى - عليهم السلام - في ذلك الموقف العظيم الذي قرن فيه بين الحق والباطل؛ أن يلقي ما في يمينه وهي عصاه، فإذا هي تبتلع ما يُلقون ويوهمون به أنه حق وهو باطل. قال ابن عباس: فجعلت لا تمرُّ بشيء من حبالهم ولا خشبهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا شيء من السماء وليس بسحر؛ فخروا سُجدا و (قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ) .