فهرس الكتاب
لم يفت هذا العزل في عضد القاضي عياض ولم ينل من مكانته ولا قدره، فعاد إلى مدينته سَبتة وعكف فيها على التدريس والفتيا ونشر العلم، وفي سنة 539 هـ طلب أمير المرابطين"تاشفين بن علي"أن يلي منصب القضاء في سبتة، وكانت أحوال دولة المرابطين قد تدهورت، واكتسحت جيوش الموحدين معظم ولاياتها في المغرب، فأراد"تاشفين بن علي"رجالًا صالحين في تلك المناصب الحساسة لوقف تدهور الدولة المرابطية .. ولله في خلقه شئون؛ فتاشفين بن علي هو الذي اجتهد أول مرة لعزل القاضي عياض عن منصبه، وهو نفسه الذي اجتهد لإعادته لنفس المنصب، وذلك عندما احتاج لعلمه وزهده ونزاهته .. !
بلغ الكتاب أجله، وسقطت الدولة المرابطية المجاهدة، لما تخلت عن أسباب قوتها وبقائها، وأخلدت إلى الأرض والترف والشهوات، وحلت محلها دولة الموحدين، وتلك الدولة كانت على النقيض من دولة المرابطين، فمؤسسها دجال ادعى المهدية اسمه"محمد ابن تومرت"، وقد ابتدع لهم عقيدة خاصة بأتباعه أسماها"المرشدة"، هي عبارة عن خليط من آراء المعتزلة والأشاعرة والجهمية، وقرر لهم الكثير من البدع والخرافات، وقد سلك ذلك الرجل الدجال وأتباعه مسلك القسوة المفرطة والوحشية القصوى في التعامل مع المرابطين، وسفكوا دماء مئات الآلاف من المرابطين واستحيوا نساءهم، وأبادوا مدنًا بأكملها من على وجه الأرض، حتى أن الموحدين قد قتلوا قرابة المليون مسلم من أجل إقامة دولتهم.
عندما رأى القاضي عياض تلك القسوة والوحشية الدموية المفرطة