فهرس الكتاب
اصطنع الطرطوشي طريقة جديدة في التعليم هي أقرب ما تكون للتربية والتعليم بالنظم الحديثة حيث لم تقتصر علاقته مع طلبته وتلاميذه مع حلقة الدرس فقط، ثم ينفضوا من حوله، بل كان يصطحبهم ويخرج معهم في رحلات خلوية إلى البساتين والمتنزهات خارج المدينة، وهناك يقضون عدة أيام على غرار المعسكرات الكشفية، يلقي دروسه في الهواء الطلق على تلاميذه ويذاكرهم فيما حفظوه ودرسوه، وقد لاقت هذه الطريقة إعجاب تلاميذه فأقبلوا عليه، وكثر عددهم، حتى كان يخرج معه في رحلاته تلك أربعمائة طالب، وبذلك يكون الطرطوشي قد سبق الأوروبيين وغيرهم من أصحاب النظريات الحديثة في التربية.
كانت الدولة العبيدية الرافضية الخبيثة وقتها تحت سيطرة الوزير الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي، وكان طاغية جبارًا، غشومًا
ظلومًا، في ظل حكمه الجائر احتل الصليبيون بيت المقدس
وسواحل الشام، فلما سمع الطرطوشي عن جبروته وقوته
وسلطانه، قرر الذهاب إلى القاهرة لنصحه ووعظه كما
يليق بالعلماء المخلصين الربانيين، ويطلب منه
الرفق بالرعية، وإشاعة العدل بينهم.
وصل الطرطوشي إلى قصر الوزير الطاغية، ودخل عليه مجلسه، فوجده زاخرًا بمتع الدنيا وزخارفها، وفيه من علامات الأبهة والتكبر ما لا يوصف، فدخل الطرطوشي على الطاغية في قصره، ثم شرع في وعظه ونصحه بعبارات تفيض بالترهيب والترغيب، بأسلوب بلاغي