فهرس الكتاب

الصفحة 782 من 1021

وهذا جزء من رسالة للإمام الطرطوشي يخاطب فيها الأمير"يوسف بن تاشفين": [1] [ .. فاتقِ الله يا أبا يعقوب في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنَّ لك مع الله تعالى موقفًا يسائلك فيه عنهم شخصًا شخصًا؛ ذكرًا وأنثى، صغيرًا وكبيرًا، حرًّا وعبدًا، مسلمًا وذِميًّا .. فأعد لذلك المقام كلامًا، ولذلك السؤال جوابًا ..

واعلم يا أبا يعقوب أنه لا يزني فرج في ولايتك، ومدى سلطانك، وطول عمرك، إلا كنت المسئول عنه، والمرتهن بجريرته .. وكذلك لا يُشرَب فيها نقطة مُسكِر إلا وأنت المسئول عنها .. ولا

(1) يوسف بن تاشفين هو أول من تسمى بـ"أمير المسلمين"، خاطب الخليفة المستظهر بالله العباسي ببغداد، وبعث إليه طالبًا أن يعقد له بالمغرب والأندلس؛ فعقد له. وإنما احتاج أمير المسلمين إلى التقليد من الخليفة المستظهر بالله مع أنه كان بعيدًا عنه، وأقوى شوكة منه؛ لتكون ولايته مستندة إلى الشرع، وهذا من ورعه رحمه الله .. وإنما تسمى بـ"أمير المسلمين"دون أمير المؤمنين أدبًا مع الخليفة حتى لا يشاركه في لقبه؛ لأن لقب أمير المؤمنين خاص بالخليفة. وهو صاحب النصر الأغر على الصليبيين بزعامة ألفونس السادس في معركة"الزلاقة"؛ التي حالت دون سقوط الأندلس كلها في يد النصارى، ومدت في عمر الإسلام بالأندلس حوالي القرنين ونصف القرن.

لم يُرَ في بلد من بلاده ولا عمل من أعماله على طول أيامه رسم مكس ولا خراج إلا ما أمر الله به، وأوجبه حكم الكتاب والسنة من الزكوات والأعشار وجزيات أهل الذمة وأخماس الغنائم. وقد جبى في ذلك من الأموال على وجهها ما لم يجبه أحد قبله. وكان رحمه الله زاهدًا في زينة الدنيا وزهرتها، ورعًا متقشفًا، لباسه الصوف لم يلبس قط غيره، ومأكله الشعير ولحوم الإبل وألبانها مقتصرًا على ذلك؛ على ما منحه الله من سعة الملك، وخوله من نعمة الدنيا. وقد رد أحكام البلاد إلى القضاة، وأسقط ما دون الأحكام الشرعية، وكان يسير في أعماله بنفسه فيتفقد أحوال الرعية في كل سنة. وكان محبًّا للفقهاء وأهل العلم والفضل، مكرمًا لهم، صادرًا عن رأيهم، يُجري عليهم أرزاقهم مِن بيت المال. وكان مع ذلك حسن الأخلاق متواضعًا، كثير الحياء، جامعا لخصال الخير .. رحمه الله تعالى ورضي عنه. [الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (بتصرف) ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت