الأهواء، ولايهدي إلا الإخلاص. فإذا سيطرت الأهواء المنحرفة سرى الضلال إلى النفس وإلى الفكر؛ ولذا قال - صلى الله عليه وسلم:"وإنه سيخرج من أمتي أقوام تَجارَى بهم تلك الأهواء كما يتجارَى الكَلَب لصاحبه". [1] [رواه أبو داود، وحسنه الألباني]
ومن السبل المفرقة في الدين إحداث الشيع والمذاهب. ومنها العصبية الجنسية كما بين الأوس والخزرج.
وقد سار على هذا النهج أهل أوربا في العصر الحديث؛ فاعتصموا بالعصبية الجنسية كما كانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية، وسرى ذلك إلى بعض البلاد الإسلامية، فحاول أهلها أن يجعلوا في المسلمين جنسيات وطنية .. فدعا الترك إلى العصبية التركية، والمصريون إلى الجنسية المصرية، والعراقيون إلى الجنسية العراقية؛ ظنا منهم أن ذلك مما ينهض بالوطن. وليس الأمر كما يظنون؛ فإن الوطن لا يرقى إلا باتحاد كل المقيمين فيه لإحيائه، لا في تفرقهم ووقوع الشحناء والبغضاء بينهم.
وإن النهي عن التفرق توجب طاعته الإخلاص والحذر، وطريقه الاعتبار؛ ولذلك قال تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) ..
(1) قال صاحب عون المعبود: (تَجارَى) : بحذف إحدى التاءين أي: تدخل وتسري. (تلك الأهواء) : أي البدع. (كما يتجارَى الكَلَب) : بالكاف واللام المفتوحتين داء يعرض للإنسان من عض الكلب، وهو داء يصيب الكلب فيصيبه شبه الجنون؛ فلا يعض أحد إلا كلب، ويعرض له أعراض ردية، ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشا.