الخطاب عام لكل المؤمنين في كل الأجيال وكل الأعصار، ويدخل في عمومه كل الأجناس وكل الشعوب. فالدعوة إلى التذكر دعوة عامة، وهي تذكر لماضى الانقسام، ثم من بعدُ الاتفاق والوئام، والطريق إلى الوحدة. ولكن إذا كان التذكير عاما؛ فإن الاختلاف الذى أشار إليه النص الكريم كان خاصا بطائفة من المؤمنين؛ وهم الذين عاصروا النبي - صلى الله عليه وسلم - من المهاجرين والأنصار. فالأنصار أكلتهم الحرب التي قامت بين الأوس والخزرح حتى أتم الله عليهم نعمة الهداية، والعرب جميعا كانوا في تنابز وتنافر حتى كادت بعض قبائلهم تفنيها الحروب التي لا تبقي ولا تذر.
ولماذا اعتبر الاختلاف السابق الخاص كأنه اختلاف عام، وخوطب به المؤمنون جميعا؟ والجواب عن ذلك أن هذا للدلالة على وحدة الأمة، فما كان من ماضيها يخاطَب به حاضرها للاعتبار والاتعاظ، ولأن سبب الاختلاف في كل نفس لا يقي منه إلا الهداية. فما وقع من الماضين يُتوقع أن يقع من الحاضرين؛ لأن الإنسان ابن الإنسان، ولأن الخلاص طريقه واحد؛ فما خلص به الماضون يخلص به الحاضرون إن اعتزموا سلوك ما سلكه الذين مِن قبلهم.
والنعمة التي يذكرنا الله بها في قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) هي نعمة الهداية والتأليف القلبي، وهو أعظم النعم على الجماعات والأمم. وقد بينها سبحانه بقوله: (إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) فهذه نعمة بينة واضحة، وهذه النعمة ترتب عليها أثرها الجليل الخطير بفيض آخر من نعمته سبحانه أيضا؛ ولذا قال: (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) فالنعمة الثانية التي كانت امتدادا للنعمة وفيضا