لها هي نعمة الأخوة العامة التي تجعل الأهواء مشتركة، والمصالح متشابكة متوحدة، يتعاون كل واحد في الأمر الذي يحسنه لمصلحة الجميع.
والآية ترمي إلى بيان أن تآلف القلوب وحده نعمة، والأخوة المترتبة
عليه المتعاونة نعمة أخرى. والتآلف معنى نفسي،
والأخوة مظهر اجتماعي عملي.
ولقد كان العرب قبل الإسلام مؤرَّقين بالاختلافات، وموزعين بالعصبية، وكل يوم في شقاق. ولقد حاولت حكماؤهم وأولو الرأي منهم التأليف بينهم، وإصلاح ذات بينهم بأفانين الدعاية؛ من خطابة وجاه وشعر .. فلم يصلوا إلى ما ابتغوا حتَّى ألَّف الله بين قلوبهم بالإسلام؛ فصاروا بذلك التأليف بمنزلة الإخوان. وهذه نعمة عاجلة في الدنيا, والدنيا كما نعرف ليست دار جزاء، فما بالك بما يكون في الآخرة وهي دار الجزاء والبقاء.
والناس إذا كانوا في حالة بُؤس وضنك واعتادوها صار الشقاء دأبهم، وذلت له نفوسهم فلم يشعروا بما هم فيه، ولا يتفطنوا لوخيم عواقبه. حتى إذا هُياء لهم الصلاح، وأخذ يتطرق إليهم استفاقوا من شقوتهم، وعلموا سوء حالتهم. ولأجل هذا المعنى جمعت لهم هذه الآية في الامتنان بين ذكر الحالتين وما بينهما: (إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) .
هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى. وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائما. وما