فهرس الكتاب
ولم تكن المسألة في تأليف القلوب مسألة احتياج إلى مال؛ لأن المال لا يمكن أن يعطي الحب الحقيقي. ولذلك فهناك بين الناس ارتباط مصالح وارتباط قلوب، وارتباط المصالح ينتهي بمجرد أن تهتز أو تنتهي هذه المصالح، لكن ارتباط القلوب يتحدى كل الأزمات. وأنت لا تستطيع أن تجعل إنسانا يحبك حقيقة مهما أعطيته من مال؛ لأن الحب الحقيقي لا يُشترى ولا يُباع، إنما يشترى النفاق والتظاهر وغير ذلك من المشاعر السطحية. والعرب الذين ألف الله بين قلوبهم لم يكن يهمهم المال بقدر ما تهمهم الحمية والعصبية، فغالبيتهم يملكون الثروات، ولكن الفُرْقة فيما بينهم نابعة من الحمية والعصبية التي تجعل في القلوب غلًا وحسدا وحقدا؛ لذلك تنفعل جوارحهم.
وإن أعظم أسباب النصر بعد تأييد الله تأليف القلوب
و (التأليف) إيجاد ألفة بين الجماعات، بحيث يألف كل واحد من الجماعة صاحبه، كالألفة التى أنشأتها المؤاخاة بين المؤمنين. وهو غير الاتحاد؛ لأن الاتحاد الاجتماع على أمر بالرأى والنظر، وقد لا يأتلف واحد صاحبه، وذلك قد يكون باجتماع على فكرة أو حزب، ولا يشترط فيه تلاقى قلوب الاجتماع، وائتلاف النفوس. وإن ذلك لا يستطيعه إلا الله، لقد ألف الله تعالى بين المؤمنين والمهاجرين حتى كان الأنصار يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وألف بين الأنصار بعضهم مع بعض حتى زال ما بين الأوس والخزرج ما كان بينهما من حروب، وامتزجت نفوس القبائل المهاجرة حتى زالت من بينهم العصبية الجاهلية .. وإن تأليف القلوب لا يمكن أن يجيء إلا من عمل مقلب القلوب ومؤلف الأرواح، وقد بين الله استحالة ذلك إلا