فهرس الكتاب

الصفحة 863 من 1021

من الله فقال: (لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) : (ما في الأرض جميعا) مبالغة حسنة لوقوعها مع حرف (لو) الدال على عدم الوقوع.

وكما أن خلق شيء من العدم لا يكون إلا من خالق الوجود، وكما أن الزرع لا يخرج من كمئه إلا من الله، وكما أن الله يذرأ الإنسان .. كهذه كلها يكون التأليف بعد النفور، والمودة بعد العداوة .. كذلك خلق الله تعالى هذا التأليف في النفوس؛ لتكون الجماعة القوية المتآلفة المتآزرة التي يكون فيها البنيان يشد بعضه بعضا، وإن ذلك مستحيل من العبيد؛ فلو ملكتَ -يا محمد- كل ما في الأرض جميعا، وأنفقته طالبا بهذا الإنفاق أن تؤلف القلوب؛ ما استطعت لأنك لا تستطيع أنت ومن في الأرض جميعا أن تخلقوا ذبابا! والتأليف لا يملكه إلا الخالق؛ فهو ليس في مقدور أحد من العباد. ثم قال: (وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) ارتقاء في القول من قدرة الإنسان العاجز إلى ما يملكه الخالق القادر.

وإن هذا التأليف كما قلنا هو الذي أوجد الجماعة الإسلامية الأولى التي كانت الخلية التي بذرت فيها بذرة الإسلام؛ فنمت وترعرعت، وكانت قوة الإسلام.

قال الزمخشري في معنى ذلك التأليف: [التأليف بين قلوب مَن بُعث إليهم رسول الله من الآيات الباهرة؛ لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية والانطواء على الضغينة في أدنى شيء، وإبقائه بين أعينهم إلى أن ينتقموا؛ لا يكاد يأتلف منهم قلبان! ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتحدوا، وأنشأوا يرمون عن قوس واحد،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت