ومنحوهم من نخيلهم .. وحسبك الأخوة التي آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار.
(وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ) أي: في أنفسهم (حَاجَةً) أي: طلبا أو حسدا (مِّمَّا أُوتُوا) أي: مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره؛ لسلامة قلوبهم، وطهارتها عن دواعي الحرص. قال الحسن: أي حسدا وحرارة وغيظا مما أوتي المهاجرون من دونهم. وأطلق لفظ (الحاجة) على الحسد والغيظ والحرارة؛ لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة.
والحاجة يصح وقوعها في الصدور لأنها من الوجدانيات والانفعالات. ومعنى نفي وجدان الاحتياج في صدورهم؛ أنهم لفرط حبهم للمهاجرين صاروا لا يخامر نفوسهم أنهم مفتقرون إلى شيء مما يُؤتاه المهاجرون. أي: فهم أغنياء عما يؤتاه المهاجرون؛ فلا تستشرف نفوسهم إلى شيء مما يؤتاه المهاجرون بَلْهَ أن يتطلبوه.
ويدل ذلك على أن المهاجرين أفضل من الأنصار؛ لأن الله قدمهم بالذكر، وأخبر أن الأنصار لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا. فدل على أن الله تعالى آتاهم ما لم يؤت الأنصار ولا غيرهم؛ ولأنهم جمعوا بين النصرة والهجرة.
(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) أي: حاجة وفاقة. قال القاشاني: لتجردهم وتوجههم إلى جناب القدس، وترفعهم عن مواد الرجس، وكون الفضيلة لهم أمرا ذاتيا، باقتضاء الفطرة، وفرط محبة الإخوان بالحقيقة والأعوان في الطريقة. فتقديمهم أصحابهم على أنفسهم لمكان الفتوة، وكمال المروة، ولقوة التوحيد، والاحتراز عن حظ النفس.