ومن إيثارهم المهاجرين ما روي في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا الأنصار ليقطع لهم قطائع بنخل البحرين، فقالوا: لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها.
وأما إيثار الواحد منهم على غيره، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أتى رجل
رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! أصابني الجهد. فأرسل - صلى الله عليه وسلم - في نسائه فلم يجد عندهن شيئا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"ألاَ رجل يُضيف هذا الليلةَ رحمه الله". فقام رجل من الأنصار (هو أبو طلحة) فقال: أنا يا رسول الله! فذهب إلى أهله فقال لامرأته: هذا ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تدَّخريه شيئا. فقالت: والله ما عندي إلا قُوتُ الصِّبية. قال: فإذا أراد الصبية العَشاء فنوِّميهم وتعالَي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة. فإذا دخل الضيف فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج تُري أنكِ تصلحينه فأطفئيه وأَرِيه أنَّا نأكل. فقعدوا وأكل الضيف. [رواه البخاري]
وذكر الفخر الرازي في تفسيره عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأنصار:"إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمتُ لكم من الغنيمة كما قسمتُ لهم. وإن شئتم كان لهم الغنيمة ولكم دياركم وأموالكم". فقالوا: لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا، ولا نشاركهم في الغنيمة. فأنزل الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) فبين أن هذا الإيثار ليس عن غنى عن المال، ولكنه عن حاجة وخصاصة وهي الفقر. وأصلها من الخَصاص وهي الفُرَج،