البِر ودراسة العلم ونحو ذلك لا يعتريها نقصٌ ما دام صاحبها مقبلًا عليها. وبعضها يزداد نماء بطول المدة.
(وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) : كان ذكر حال الحياة الدنيا مقتضيا ذكر مقابله على عادة القرآن. والخبر مستعمل في التحذير والتحريض بقرينة السياق، ولذلك لم يبين أصحاب العذاب وأصحاب المغفرة والرضوان لظهور ذلك.
وكنى عن النعيم بمغفرة من الله ورضوان؛ لأن النعيم قسمان: مادي وروحاني. فالمغفرةَ والرضوان أصل النعيم الروحاني، كما قال تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة:72] . وهما يقتضيان النعيم الجسماني؛ لأن أهل الجنة لما ركبت ذواتهم من أجسام، وأودعت فيها الأرواح كان النعيمان مناسبين لهم تكثيرا للذات، وما لذة الأجسام إلا صائرة إلى الأرواح لأنها المدركة للذات، وكان رضوان الله يقتضي إعطاءهم منتهى ما به التذاذهم، ومغفرته مقتضية الصفح عما قد يعوق عن بعض ذلك.
وعطف (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) على (وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ) للمقابلة بين الحالين زيادة في الترغيب والتنفير. والكلام على تقدير مضاف، أي: وما أحوال الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
والغُرور: الخديعة، أي إظهار الأمر الضار الذي من شأنه أن يحترز العاقل منه في صورة النافع الذي يرغب فيه. وإضافة (مَتَاعُ) إلى