فهرس الكتاب

الصفحة 936 من 1021

قصير، فهي لا تبقى طويلا. والثاني الإشارة إلى أن متعة الدنيا بريق لا يكون بعده قوة حقيقية، فهي متع كالسراج المزهر سرعان ما ينطفئ، وما أنت عليه يا محمد لا ينطفئ نوره أبدا.

وإن غاية هذه الزهرات إلى انطفاء، وهي اختبار لهم، ولذلك قال تعالى: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيه) أي: لنعاملهم معاملة المختبرين فيزدادوا طغيانا على طغيانهم، وتنكشف حقيقة أمرهم، ويعرف ما فيهم من غي وشر. والتعدية بقوله (فيه) دون التعبير بالباء، للإشارة إلى أنهم مغمورون في فتنة دائمة قد أحاطت بهم، فهم يسارعون فيها من جنبة إلى جنبة وقد أحيط بهم.

والفتنة اضطراب النفس وتبلبل البال من خوف أو توقع أو التواء الأمور، وكانوا لا يَخلُون من ذلك، فلشِركهم يقذف الله في قلوبهم الغم والتوقع، وفتنتُهم في الآخرة ظاهرة.

وفي قوله: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) وجوه: أحدها: لنعذبهم به، كقوله: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي الحياةِ الدنيا} [التوبة:55] . وثانيها: قال ابن عباس - رضي الله عنهما: إضلالًا مني لهم. وثالثها: قال الكلبي ومقاتل: تشديدا في التكليف عليهم؛ لأن الإعراض عن الدنيا عند حضورها والإقبال إلى الله أشد من ذلك عند عدم حضورها؛ ولذلك كان رجوع الفقراء إلى خدمة الله تعالى والتضرع إليه أكثر من تضرع الأغنياء. ولأن على مَن أوتي الدنيا ضروبا من التكليف لولاها لما لزمتهم تلك التكاليف. ولأن القادر على المعاصي يكون الاجتناب عن المعاصي أشق عليه من العاجز الفقير .. فمن هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت