ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا! فأي ضيق يا ترى كان الفرس فيه؟! وأي سعة كان فيها العرب؟!
لولا أن التاريخ الأمين حدثنا بذلك لما صدقنا أن بدويا اجترأ أن يقول ذلك لقائد قوات فارس العظيمة، ووزير الدفاع في إمبراطورية كسرى! إنها معجزة من معجزات الهداية الإلهية والصحبة النبوية ..
العرب الذين كانوا يحسبون الكافور ملحا، وعندما جربوا لأول مرة الخبز الرقاق حسبوها مناديل؛ فجعلوا يمسحون بها أيديهم! ولكن اليقين الذي وهبه لهم الإيمان جعل ربعي بن عامر - رضي الله عنه - في موقف القدوة إلى يومنا هذا، وسيظل كذلك إلى يوم الدين .. اليقين الذي فقدناه اليوم؛ عندما يذهب شباب المسلمين إلى أوربا يأخذهم العجب، وتبهرهم الحضارة، ويستهينون بأمتهم .. !
ولكن هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في حدود"إيران"لم يسل لعابهم أبدا، ولم يأخذهم سحر الحضارة التي رقت حواشيها .. إنكم إذا قرأتم أخبار (فرش بهار) [1] في تاريخ الطبري وتفاصيله؛ تصورتموه حكاية من حكايات الجن! كانوا يبسطونه في أيام الخريف ليستحضروا ذكريات الربيع، ويستنشقوا أريج الربيع! إلى هذا الحد بلغت مدنية الفرس ..
وتصوروا أن"كسرى يزدجرد"آخر ملوك الفرس لما خرج من"المدائن"وقد أيقن أن ملكه زائل؛ أخذ معه ألف طاهٍ وألف مغنٍ وألف مربٍ للصقور، وكان يرثي لنفسه ويقول: يا حسرتاه! ما أخذت شيئا، كيف أعيش في هذه القلة القليلة من الخدم والحشم؟!! وإلى
(1) بساط الربيع