هذا الحد أيضا بلغت المدنية الفارسية المزورة المصطنعة التي قامت على دماء الفقراء وعلى عرق الفلاحين ..
إن هؤلاء الصحابة الفقراء في هذا الجيش الإسلامي لم يسل لعابهم أمام هذه المدنية، بل بالعكس ملأ جوانحهم الرثاء والرحمة لهؤلاء المنعمين المنكوبين، المترفين المعذبين، الأشقياء البائسين؛ الذين كانوا يسمون (ملوكا) و (أمراء) .. هذه المدنية ملأت قلوب الصحابة بالرثاء والرحمة، وما تركت مكانا في جوانحهم للغبطة والحسد ..
إن"يزدجرد"لما غادر بلاده وعرف أنه لا يرجع إليها، وأن الحكم للعرب المسلمين بإذن الله تعالى؛ لجأ إلى كوخ عجوز فقيرة؛ فأصابه العطش فطلب الماء، وجاءت العجوز بالماء في كوب من خشب، فقال: أأشرب من هذا؟! والله لو مت عطشا ما استطعت أن أشرب من هذا! وقدم إليه طعام في هذه الجولة الاضطرارية، فقال: لا أستطيع أن أسيغ لقمة إلا إذا سمعت الغناء والموسيقى!! [1]
وأي عبودية أعمق من هذه وأقوى؟!! الإنسان يموت عطشا ولا يشرب من كأس من خشب! هكذا استعبدتهم عاداتهم، استعبدتهم شهواتهم،
استعبدتهم أعرافهم، استعبدتهم تقاليدهم،
واستعبدتهم المعايير المصطنعة ..
ولكن العرب كانوا (أحرارا) بمعنى الكلمة كله .. ] [2]
(1) كان الملوك والأمراء إذا جلسوا على الموائد غنى المغنون أولا، بعد ذلك يطيب لهم الطعام.
(2) حاجة العصر ومسئولية الأمة: أبو الحسن الندوي - مجلة الأمة (شعبان 1405 هـ)