عامرة بالإيمان .. وها هي اليوم الجيوب ممتلئة بالمغانم وبالمكاسب؛ والقلوب تكاد تكون فارغة من الإيمان!!
هكذا عالج القرآن الكريم ظاهرة التساؤل عن الغنائم .. فقد رد الصحابة رضوان الله عليهم إلى بداية الطريق؛ في حديث طويل لا مجاملة فيه لأحد:
(كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) : فالناس لا تحب الخروج للمواجهة .. وإذا ما خيروا بين المواجهة والريوع؛ يختارون المغانم والمكاسب والمواقع والخلود إلى الراحة، ويرفضون كل أشكال المنازلة؛ حتى لو كانت مجرد مناوشات سلمية تدخل في إطار التدافع للتمكين لأصول الدين ولأهداف وغايات المشروع المقرر بنصوص القرآن الكريم.
ويميل الناس كذلك إلى الدعة والحياة المرفهة (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُم) .. والحق عير ونفير .. شوكة وغنائم .. والتمكين للدعوة ربح وخسارة .. وضريبة النصر صبر وإعداد ومواجهة ولحظات استراحة بانتظار الزحف ..
وليس شرطا أن تكون المواجهة عسكرية؛ فساحات المواجهات تعددت وتنوعت واتسعت جبهاتها .. وتراجع أبناء الإسلام عن حراسة ثغور النفير إلى تصيد أخبار العير، وتسقّط همسات النافعين والنافذين؛ إلى حد الانفضاض عن الدعاة وتركهم قائمين كلما رأى هؤلاء الأقوام تجارة أو لهوا من ريوع الدنيا
ومنافع الخلطة ومضارها ومكاسب ترك الثغور بلا حراسة ..
هنا -وفي هذه اللحظات المفصلية- يأتي التذكير صارما:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُون} [الأنفال:20]
ومادمنا في زماننا هذا نزعم السماع الواعي؛ فهناك أمر بالغ الأهمية للوقاية من مرض خطير يسمى الإصابة بإيدز زهرة الحياة الدنيا، أو قل ببساطة: عدوى تحسين ظروف المعيشة ولو على حساب الدعوة والمنهج والرسالة ..
لذلك وجب أولا أن يصغي الجميع لهذه التوجيهات الربانية المنجية
من هلاك الأفراد وذهاب ريح الجماعات:
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ
خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب [الأنفال:24 - 25]
وتبدأ -بعد هذه الموعظة التذكيرية البليغة- الوصفة القرآنية الثانية لمعالجة داء الانبهار بالمكاسب والمنافع والريوع التي يقع فيها بعض الناس على حساب دعوتهم ورسالتهم وغايتهم التي من أجلها خلقوا ولأجلها يعيشون وبسببها نظمت جهود العاملين في كل فضاءات الحقل الإسلامي.
إنها -باختصار ودقة- التدرب على إتقان واجب إمعان النظر في المرآة العاكسة لكل فرد ينسى ماضيه كيف كان؟ وكيف تحولت نيته من خدمة الدعوة وتسخير حياته لخدمة الرسالة إلى نية تحسين ظروف الحياة وضمان