فهرس الكتاب

الصفحة 995 من 1021

الدنيا؛ فيصير قلبه عاكفا على هذا الفكر، موقوفا عليه؛ فيلهو عن ذكر الموت؛ فلا يقدر قربه. فإن خطر له في بعض الأحوال أمر الموت والحاجة إلى الاستعداد له سوَّف ووعد نفسه، وقال: الأيام بين يديك إلى أن تكبر ثم تتوب! وإذا كبر فيقول: إلى أن تصير شيخا .. فإذا صار شيخا قال: إلى أن تفرغ من بناء هذه الدار وعمارة هذه الضيعة .. أو ترجع من هذه السفرة .. أو تفرغ من تدبير هذا الولد وجهازه، وتدبير مسكن له .. أو تفرغ من قهر هذا العدو الذي يشمت بك ..

فلا يزال يسوف ويؤخر، ولا يخوض في شغل إلا ويتعلق بإتمام ذلك الشغل عشرة أشغال أخر، وهكذا على التدريج .. يؤخر يوما بعد يوم، ويفضى به شغل إلى شغل؛ بل إلى أشغال .. إلى أن تختطفه المنية في وقت لا يحتسبه؛ فتطول عند ذلك حسرته .. وأكثر صياح أهل النار من (سوف) ؛ يقولون: واحزناه من سوف!

والمسوِّف المسكين لا يدرى أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم هو معه غدا، وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخا. ويظن أنه يتصور أن يكون للخائض في الدنيا والحافظ لها فراغ قط .. وهيهات! فما يفرغ منها إلا مَن طرحها ..

فما قضى أحدٌ منها لُبانَتَه ... وما انتهى أرَبٌ إلا إلى أرَبِ

وأصل هذه الأماني كلها حب الدنيا والأنس بها.

وحب الدنيا هو الداء العضال الذي أعيا الأولين والآخرين علاجه، ولا علاج له إلا الإيمان باليوم الآخر، وبما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب. ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت