أنا الخلّ الموافق, والصديق الصادق, والطبيب الحاذق, أجتهد في مصلحة الأحباب, وأرفع عنهم كلفة حمل الثياب, وأخفف أثقالهم, وأوفر أموالهم وأكفيهم المؤونة, وأجزل لهم المعونة, وأغنيهم عن شراء الفرا, وأحقق عندهم أن كل الصيد في جوف الفرا, نُصرت بالصّبا, وأوتيتُ الحكمة في زمن الصبا, بي تتضح الجادّة, وتنضج من الفواكه المادة, ويزهو البُسر والرّطَب, وينصلح مزاج العنب, ويقوى قلب اللوز, ويلين عطف التين والموز, وينعقد حب الرمان فيقمع الصفراء, ويسكن الخفقان, وتخصب وجنات التفاح, ويذهب عرف السفرجل مع هبوب الرياح, وتسود عيون الزيتون, وتخلق تيجان النارنج والليمون, مواعدي منقودة, وموائدي ممدودة, الخير موجود في مقامي, والرزق مقسوم في أيامي. الفقير ينصاع بملء مده وصاعه, والغني يرتع في ربع ملكه وأقطاعه, والوحش تأتي زُرافاتٍ ووحدانًا, والطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا.
وقال الخريف:
أنا سائق الغيوم, وكاسر جيش الغموم, وهازم أحزاب السموم, وحادي نجائب السحائب, وحاسرُ نقاب المناقب, أنا أصدّ الصدى, وأجود بالندى, وأُظهر كل معنىً جليٍّ, وأسمو (بالوسمي والولي) , في أيامي تقطف الثمار, وتصفو الأنهار من الأكدار, ويترقرق دمع العيون, ويتلون ورق الغصون, طورًا يحاكي البقم, وتارة يشبه الأرقم, وحينًا يبدو في حلته الذهبية, فيجذب إلى خلته القلوب الأبية, وفيها يكفي الناس همّ الهوامّ, ويتساوى في لذة الماء الخاص والعام, وتقدم الأطيار مطربة بنشيشها, رافلةً في الملابس المجددة من ريشها, وتُعصر بنت العنقود, وتوثق في سجن الدن بالقيود, على أنها لا تجترح إثمًا, ولم تعاقب إلا عدوانًا وظلمًا, بي تطيب الأوقات, وتحصل اللذات, وترق النسمات, وترمى