بين الفينة والأخرى يخرج إلينا إنسانٌ جديد يدّعي أنه مفكّر ـ وليته لم يفكر ـ وأنه أتى برأي بعد جهد ولَايٍ وإرهاق وهجرٍ للكَرى .... أتى برأي يُبهر الألباب , ويُنير العقول, ويفتح آفاقًا فكرية علميةً جديدة للبشرية جمعاءَ!
أتى برأي سَبق العالَمَ كلَّه إليه, ولم يقل به أحدٌ قبله من العالمين, ولسان حاله يقول:
إن الكونَ كان يعيش في ظلام الجهل والضلال, وتغشاه أمواجٌ لُجِّيَّةٌ من الجمود والكسل والخمول, فأتيتكُم برأي جديدٍ سيحوّل ـ حسب اعتقاده ـ ظلام الكون الدامسَ إلى شموسٍ من النور الفكريّ, وسوف يُشكل نهضة ثقافية فكرية ما عهدت لها البشريةُ من مثيل!
ومن هؤلاء الشاذين الفكريين من يكون مغمورًا لا يعرفه أحد, ولكنه في الوقت نفسه يحب الشهرة والظّهور , ولا أحدَ يساعده على تحقيق مبتغاه, فيحدث نفسه مرة أخرى قائلًا:
لم لا أُنقِّب في بطون الكتب, وأفتِّش في أعماق الزمان, وأقرأ سِيَرَ المشاهير؟ ... لعلّي بعد ذلك البحثِ والتنقيب سأجد رأيًا شاذًّا خالف فيه أحدُهم ـ ولو سهوًا أو خطأً ـ آراءَ السواد الأعظم من العلماء, والذي ساروا عليه لقرون وقرون, ولم يردَّ أحد عليهم, ولم يعترض أحد على أفكارهم وآرائهم, بل تلقتها الأمةُ كلُّها بالقَبول والاحترام, .... ليس لي سبيل إلى الشهرة إلا إذا خالفتُ آراهم, ونقدتُها وفندتُها, وكما قالوا في المثل: (خالِفْ تُعْرَفْ)