فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 341

إلى مكة في كل عام وليس لديهم شعور بقصة إسماعيل وإبراهيم، فما هو الأمر الذي بعث قلوبهم على احترام هذه البنية وتعظيمها؟ [1] .

ثم ختم حديثه عن هذه القضية بعبارة ساخرة يقول فيها كعادته في استخدام أسلوب المؤلف وقلب عباراته عليه: (أمر الطعن في هذه القصة إذن واضح، فهو حديث العهد قبيل كتاب"في الشعر الجاهلي"واستغله كتاب في الشعر الجاهلي لسبب اقتصادي وديني غير إسلامي، ولم تقبله الثقافة الشرقية لسبب ديني وسياسي أيضًا، وإذن فيستطيع التاريخ الأدبي واللغوي ألا يحفل به عندما يريد أن يتعرف على أصل اللغة العربية الفصحى) [2] .

ويبدو أن وجدي هو الوحيد الذي فهم جرأة الدكتور طه حسين بعبارة أن ورود هذين الاسمين في القرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي. فقد قال إنه لا يمكن إثبات ذلك إذا جرى التاريخ على أسلوبه في إثبات وجود الرجال وتحقيق الحوادث المعزوة إليهم مستقلًا عن نصوص الكتب السماوية. لأن التاريخ وسائر العلوم قد أعلنت استقلالها عن الأديان منذ نحو ثلاثة قرون، فالتاريخ يطلب في الإثبات أدلة حسية وآثارًا مادية خاصة بالنسبة للأفراد المتغلغلين في القدم. ورأى وجدي أن استقلال العلوم عن النصوص الدينية ضروري لها إذ بما تتأدى إليه من نتائج علمية محققة من طرق مادية محضة تؤيد الدين الصحيح وتصدقه فتنساق النفوس إلى حبه والأخذ به - وهذا يؤيد طريقة الخضري في عدم طرق المسألة من الناحية الدينية -.

فعليه يرى وجدي أن القول بأن إبراهيم وإسماعيل لم يثبت وجودهما تاريخيًا ليس معناه أن التاريخ قرر بأنهما لم يوجدا، ولكن معناه أنه لا يستطيع إثبات وجودهما إثباتًا ينطبق على أسلوبه الحسي، وهذا العجز من العلم لا ينفي أنهما كانا موجودين. فالدكتور طه حسين لم يحسن التعبير عن رأيه في هذه المسألة، ولوقال كما قيل هنا لم يلمه أحد [3] . يؤيد ذلك ما ورد عن المؤلف في

(1) ـ 86.

(2) ـ 89.

(3) ـ 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت