اختلاف اللغتين قديمًا رووا على الرغم من علمهم هذا شعرًا كثيرًا بالعدنانية وحملوه على شعراء اليمن المنتسبين إلى القحطانية العاربة. وهذا دليل عقلي يحسب له، إذ قبل أن ينبه على الهجرة - التي هي لب الرد - دخل على المؤلف من باب آخر ليلزمه الحجة، ويفضح خطأه ونيته أمام الجميع.
وقد أورد جمعة بعد ذلك تفصيلات تاريخية في الأمة العربية وشعوبها وقبائلها وأنسابها وفي أصل اللغة العربية، ثم نبه كالخضري إلى أنه إن كانت نسبة النازحين إلى قبائل الجنوب صادقة فإنما احتفظوا بها كما يحتفظ الخلف بأنساب السلف دون أن يتكلموا بلغتهم. فبَيْن ارتحال القبائل إلى الشمال وظهور الشعر الجاهلي أربعة قرون على الأقل، وهي كافية لاندماج القبائل الجنوبية في قبائل الشمال [1] .
نلاحظ هنا أنه اختلف مع الخضري في نقطة معينة وهي زمن الهجرة، فبينما جعلها الخضري قبل الهجرة بقرنين جعلها جمعة قبلها بخمسة أو ستة قرون على اعتبار التفاوت في زمن الشعر الجاهلي، وهذا خطأ تاريخي ربما جاء بسبب الرغبة في تأكيد الاندماج، إذ الهجرة كانت بعد انهيار سد مأرب سنة 450 م تحديدًا [2] ، وهذا يتفق مع ما قال الخضري.
فصّل الغمراوي بعض الشيء في رده، فكما أن اتحاد الأصل لا يستلزم اتحاد اللغة فاختلافه لا يستلزم اختلافها حتمًا دائمًا. والأمة الواحدة تختلف لغة كتابتها ولغة كلامها باختلاف الأطوار والأزمان، إذن فمن العجيب أن يتوقع الأستاذ أن يجد لغة العرب في القرن السادس بعد المسيح عليه السلام كلغة بلاد العرب في القرن العشرين قبل المسيح، وأن يتوقع أن تبقى لغة من نزح من قبائل الجنوب إلى الشمال كلغة من بقي من أهل الجنوب، كأن اختلاف المكان والزمان لا شأن لهما قط في اختلاف اللغات. واستشهد بكلام ابن خلدون في المقدمة عن وجوه الاتصال بين المضرية والحميرية وكان يعرفها تمامًا فلم ير
(1) ـ 134.
(2) ـ الدكتور السيد عبد العزيز سالم، (دراسات في تاريخ العرب قبل الإسلام) / 123، الطبعة والتاريخ بدون، الناشر مؤسسة شباب الجامعة، الاسكندرية، مصر. (السيد عبد العزيز سالم فيما بعد) .