فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 341

العربية في اللغة ولا اللهجة ولا في المذهب الكلامي؛ وإما أن نعترف بأن هذا الشعر لم يصدر من هذه القبائل وإنما حمل عليها بعد الإسلام [1] .

فقد تساءل الرافعي متهكمًا: ماهي اللهجات ياأستاذ الجامعة؟ كان ينبغي أن تستقريها قبل أن تعترض بها، فإنك لو فعلت لرأيتها في الجملة لا تغير شيئًا من أوزان الشعر، فهي في معظمها بين إبدال حرف بحرف أو حركة بحركة أو مد بمد، وكل ذلك لا يؤثر في إقامة الوزن كثيرًا ولاقليلًا. والاختلاف في الحقيقة هيئات في النطق والصوت أكثر مما هو هيئات في الوضع واللغة. فقد قرر الرافعي هذا الأمر - ماهية اللهجات - وكان يكفي وحده لرد زعم المؤلف إلا أنه آثر أن يفصل أكثر ويشرح بعملية، ليزيد دليله قوة، فبين أنهم مع ذلك قد نصوا على أن العربي الفصيح غير مقيد بلغة قبيلته إذا نافرت طبع الفصاحة فيه. ومن القبائل من تأخذ لهجة غيرها كما فعلت قريش. والعرب لم ترو من الشعر إلا ما كان إلى مائة سنة قبل الإسلام أي عمر رجلين يروي أحدهما عن الآخر، وذلك هو الزمن الذي نهضت فيه اللغة وأخذ العرب بعضهم عن بعض. كما أن اختلاف اللهجات على نوعين: منه ما يؤخذ به في إنشاد الشعر إذا وجد في لغة من ترتضى عربيته، ومنه ما لايؤخذ به إذا وجد في لغة من لا ترضى عربيته. فذلك دليل على أن العلماء حذفوا أشياء لم يرضوها وغيروا في إنشاد الشعر لا في نظمه. وأورد الرافعي شواهد من الشعر ومن حديث النبي صلى الله عليه وسم [2] . وهذا رد منطقي سليم يعتمد على المعرفة بتاريخ اللغة والأدب، كان الهدف منه إثبات تقارب اللهجات، بل أخذ بعضها عن بعض، ثم بيان كيفية عدم تأثير اللهجات في نظم الشعر عمليًا.

وكمدخل للرد فرق الخضري بين اللغة وهي الألفاظ التي تدل على المعاني، وبين اللهجة وهي طريق أداء الكلمة إلى السامع، فلا تلازم بين اختلاف اللغات واختلاف اللهجات، فقد تكون اللغة متحدة واللهجات مختلفة. ثم تساءل كيف يظهر في الشعر تباين اللهجات؟ فإن اللهجة كما قدّم إنما هي

(1) ـ 33.

(2) ـ 148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت