فهرس الكتاب
بالرفيق الأعلى. ولولا بقية من دين: كذا كذا، بقية فقط في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم اتجه إلى مطابقة الأفكار بالتاريخ الصحيح. فأما أن القوة المادية كانت في قريش فهذا كذب على التاريخ. فكيف يكون ذلك وفي خبر اختلاف الأنصار معهم أن الحباب بن المنذر قال: يا معشر الأنصار، ملكوا على أيديكم، فإن أبوا عليكم ما سألتموه فاجلوهم عن هذه البلاد، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان. أفيكون هذا كلامهم ومنطق أسيافهم ومبلغ عزيمتهم ثم تكون القوة المادية إلى قريش فتذعن الأنصار خوفًا ورهبًا من هذه القوة لا رغبة ولا إسلامًا ولا إيمانًا ولا إرادة وجه الله. ثم ما معنى القوة المادية؟ أكانت وزارة الحربية في قريش، أم كانت في أيديهم مصانع الذخيرة، أم كان سلاحهم السيوف والرماح وسلاح الأنصار العصي والنبابيت [1] ؟ لاحظ الدليل التاريخي والأسئلة الإنكارية التي استخدمها لنفي هذه القوة اعتمادًا على فهم معناها، وهو من الأسلوب الأدبي الذي امتاز به الرافعي.
وقد زاد الخضر حسين معنى القوة المادية توضيحًا، فهي الجند والسلاح والمال. ثم نفاها عن قريش اعتمادًا على أسلوب استبعاد ما يقويها من فروض بناءً على ما جاء به التاريخ الصحيح، فلم يكن هناك جيش تحت إمرة قائد قرشي، بل الأمة تنفر للجهاد ثم يعود كل واحد إلى حرفته. ولم يكن هناك خزائن للسلاح مفاتيحها بيد رجل من قريش، بل كان سلاح كل أحد في يده، ولم يكن السلاح الذي بأيدي قريش أجود من سلاح الأنصار وسائر القبائل. أما المال فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقبل مالًا عنده ولا ببيته، وإن جاءه غدوة لم ينتصف النهار حتى يقسمه [2] .
ففي حين أن الخضر لم يضع القوة المادية في موضع معين وافق وجدي الرافعي في أن القوة المادية كانت في الأنصار جاهلية وإسلامًا، ودليله المادي على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كسر بهم قريشًا ومن شايعهم من القبائل
(1) ـ 232.
(2) ـ 150 وما بعدها.