وهذا التفوق كان مسلمًا به بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وصرح به الحباب بن منذر الأنصاري [1] . فاستنادًا على هذا الدليل استنبط وجدي أن الأنصار لم يخضعوا لرأي المهاجرين إلا مقتنعين بأنهم على صواب وأنهم لم يجدوا في صدورهم حرجًا من قصر الإمارة على قريش. وأتى بدليل آخر هو أنه على طول الأحداث حتى اغتصاب معاوية للخلافة قد بقي الأنصار ساكنين، ثم ثاروا على يزيد بن معاوية يدهم في يد المهاجرين تذمرًا من أنه ليس من أهل الخلافة الصالحين. أفلا يدل ذلك على أنهم لم يكونوا قط ناقمين على المهاجرين [2] . فقد حكم وجدي على التاريخ بهذا الاستفهام الإنكاري ههنا اعتمادًا على المنطق الذي تمليه الأدلة والأحداث التاريخية السابقة التي ساقها.
أما بالنسبة لقاعدة الخلافة فقد أثبت الخضر حسين بالأدلة التاريخية إرساء النبي صلى الله عليه وسلم لها، حيث تحدث عن الإمامة في أحاديث يرويها البخاري ومسلم وغيرهما، وقد شرع القرآن للخلافة قاعدة في قوله ... {وأمرهم شورى بينهم} ، وزادها النبي صلى الله عليه وسلم بيانًا إذ ترك للأمة حريتها في انتخاب من ترى فيه الكفاية. وتوصل بعد هذه الأدلة ... إلى استنباط منطقي هو أن الخلافة حقيقة شرعية ونظام كافل لحياة الأمة الإسلامية. فالضغائن التي نشأت لم يكن منشؤها نقص التشريع، بل قلة علم به وعدم قدرة على تطبيقه. واستدل على هذه النتيجة بما يقويها، حين أتى بالرواية الموثوق بها، والتي تصرح أن الأوس جنحوا إلى ولاية أبي بكر، وتتابُع الخزرج على مبايعته دليل على أنهم لا يجدون في صدورهم حرجًا من خلافته. وإذا فُرض أن في المهاجرين أو الأنصار من بايعوا متابعة للكثرة السائدة وحذرًا من سخطها، فمثل هذا لا يخرج خلافة أبي بكر من أن تكون قائمة على رضا الأمة [3] . وهكذا استطاع الخضر الرد على هذه التهمة التاريخية بالتاريخ نفسه.
(1) ـ 95.
(2) ـ 99.
(3) ـ 150 وما بعدها.