فهرس الكتاب
تحدث الدكتور طه حسين طويلًا في تاريخ كندة في الإسلام، وفي قصة الأشعث بن قيس وابنه محمد وحفيده عبد الرحمن. وعقد مشابهة بين امرئ القيس وعبد الرحمن بن الأشعث، وزعم أن عبد الرحمن ثار منتقمًا لحجر بين عدي كما أن امرأ القيس قام مطالبًا بثأر أبيه، وذكر من أوجه الشبه بينهما أن كلا منهما طامع في الملك متنقل في البلاد مستعين بملك، وأن كلا منهما غدر به الملك الذي التجأ إليه. ثم تساءل: أليس من اليسير أن نفترض بل أن نرجح أن حياة امرئ القيس كما يتحدث بها الرواة ليست إلا لونًا من التمثيل لحياة عبد الرحمن، استحدثه القصاص إرضاء لهوى الشعوب اليمانية في العراق، واستعاروا له اسم الملك الضليل اتقاء لعمال بني أمية من ناحية، واستغلالًا لطائفة يسيرة من الأخبار كانت تعرف عن هذا الملك الضليل من ناحية أخرى [1] ؟
فنبه الرافعي - في رغبة منه لتحقيق الأمر تاريخيًا - إلى أن كل الأحداث التي ساقها المؤلف في قصة الأشعث ومن بعده هي من تاريخ الطبري، وليس له فيها إلا التحريف أو التخريف. ثم حاكم تشبيهه لابن الأشعث بامرئ القيس إلى قاعدة تاريخية مهمة جهلها المؤلف، هي أن التاريخ كله حوادث متشابهة، إذ تنشأ في الأصل عن طباع متقاربة محدودة في آثارها، فتتشابه هذه الحوادث كما يتشابه الناس. وهذا التعليل التاريخي الحسن يحسب للرافعي، إذ لم يبين أحد غيره لم ساغ أن يدمج المؤلف بين القصتين.
بعد هذا البيان المُمَهِّد راح الرافعي يبين ما وقع فيه الكذب والخلط في سيرة الأشعث وابنه محمد، وما في سيرة عبد الرحمن بن الأشعث، اعتمادًا على أخبار التاريخ الصحيح، وبين بالتالي الخلط في التمثيل والمقابلة بين سيرة عبد الرحمن وسيرة امرئ القيس بمنطقية تاريخية، فابن الأشعث ليس بشاعر، ولا ابن ملك، ولا قُتل أبوه فخرج يطلب الثأر كامرئ القيس، ولم يكن صعلوكًا ولا متعهرًا ولا متفحشًا، فإذا قابله القصاص برجل فلن يكون هذا الرجل امرأ القيس في تبطله وانقطاعه لصعاليك العرب وذؤبانها، وفي الخمر والنساء والتفحش
(1) ـ 137.