فهرس الكتاب
ونحوها. وإن كان ابن الأشعث يطلب الملك فما طلب امرؤ القيس إلا ثأر أبيه، وابن الأشعث لم يلجأ إلى ملك الترك مستعينًا بل منهزمًا أراده الحجاج فألجأه الملك عنده، ولم يَكِد رسل الحجاج له عند ملك الترك وإنما هددوه فأسلمه صاغرًا، وفي بعض الروايات أن ابن الأشعث مات بالسل. ولم يتنقل بين القبائل مستنصرًا بل محاربًا يرحل بالجيش وينزل بالجيش.
واعتمادًا على استبعاد فروض المؤلف - التي خرج منها إلى الترجيح - في منطقية، راح الرافعي يبين علة لا معقولية اختلاق القصة. فإذا أراد القصاص أن يكذبوا في مفاخرة كندة، فليس من الفخر أن يجعلوه شاعرًا طرده أبوه، ويجعلوه متعهرًا عاجزًا ضائعًا لا يقدر على الأخذ بالثأر، وليس في السب عندهم أشنع من هذا، وهو أعجز العجز ولا يوافق أهواء شعب عربي ولا عاداته. وخوف القصاص من بني أمية مردود بأن المؤرخين يذكرون خبر ابن الأشعث ويدونونه بالأسانيد [1] .
والملاحظ دائمًا في أسلوب الرافعي هو الرد الهجومي الكاسح الساخر المستهزئ، الذي تتابع فيه الردود كالقذائف في وجه المؤلف، بحيث لا يجعل له متكأً. بخلاف الخضري الذي رد ردًا علميًا وجيزًا يعتمد على ما يقتضيه المنطق التاريخي، إذ لم يكن عبد الرحمن من المغمورين، وإنما ينتهي نسبه إلى كندة التي لها سابقة وقدمة غير منكورة، ولآبائه تاريخ معروف، وكان له شعراء يشيدون بذكره ويكثرون من مدحه في قصائد يسمعها الحجاج نفسه ويحفظ منها ما يحفظ، ومثل هذا ليس في حاجة إلى أن يخترع القصاص لواحد من قومه حكاية لا تدل على عظمة ولا فخار. وما حديث امرئ القيس إلا أنه رجل قتل أبوه فقام يثأر له ففشل فشلًا قبيحًا وصار يتنقل في القبائل يريد معونة فلم يجدها. وانتهى أمره أن مات شريدًا بعيدًا عن وطنه وأهله. وإذا كان هناك وضع فلأن يكون من خصوم كندة أقرب إلى النفس من أن يكون من أوليائها، لأن أولياءها لا يضعون حديثًا مغزاه التنبؤ بمستقبل أسود لعبد الرحمن وهو الثورة فالفشل
(1) ـ 289.