فهرس الكتاب
فالشرود فالهلاك. بذلك نرى أن الفرض الذي فرضه المؤلف لا قيمة له ولا يتفق مع تاريخ ولا علم [1] .
ألا تحس معي الهدوء والتتابع المنطقي للأفكار في سكينة ورغبة في التفهيم مما ينشأ عن رجل تربوي يبين لتلميذه موضع الخطأ ليتعلم، ولا يتصيد الأخطاء فرحًا بتعدادها. رد منطقي واحد يكفي لرد الفرض من أساسه بغض النظر عن التفاصيل.
كذلك ألقى الخضر حسين واقعة عبد الرحمن بن الأشعث في تلخيص وإيجاز ليبين ما بينها وبين قصة امرئ القيس من الفرق الذي يجعل اجتماعهما لا يمكن إلا في مخيلة تتراكم فيها صور الأشياء على غير نظام. ورأى في العرض التاريخي للواقعة أنها تكفي لنقض ما زعمه. ثم خاض في تفصيل بسيط يدل على تدقيقه في كلام المؤلف ومحاولته نفي زعمه بكل ما يمكن، وهو أن عبد الرحمن لا يخطر في الذهن أن ينتقم لحجر لأن القرابة بينهما بعيدة فهما يلتقيان في الجد الخامس، كما أن قاتل حجر هو معاوية بن أبي سفيان، وصاحب الدولة وقت ثورة عبد الرحمن عبد الملك بن مروان. وكان قتل معاوية لحجر قبل ثلاثين سنة من ثورة عبد الرحمن، وهذه مدة من شأنها أن تخفف غيظ النفس لها إلى حد لا يبقى فيها ما يحمل المخاطرة بالحياة [2] . فانظر إلى التحليل التاريخي المنطقي الذي لا ينتج إلا عن عقل فهم التاريخ وأحاط به.
وفي محاولة منه لتفادي ما قال سابقوه، ولتكون له بصمة خاصة في نقده للكتاب كله - رأى جمعة الغرض من هذا الفصل كامنًا في أن يجرح المؤلف ويطعن في أحد أبطال العرب المسلمين الأشعث بن قيس. لذا راح جمعة يعرض لترجمته وحياته هو فقط دون ابنه أو حفيده. وعقب بملاحظة جديدة مفيدة، هي أنه من قبيلة كندة القحطانية اليمنية، وامرؤ القيس من أهل نجد ولم يعرف اليمن ولا قحطان، وقد نسبوه إلى كندة تاريخًا، فلا توجد قرابة ولا نسب ولا علاقة بينهما، ولم يجرؤ المؤلف أن يفتعل أكذوبة فيقول أن الأشعث حفيد
(1) ـ 63.
(2) ـ 299.