فهرس الكتاب
من العصور [1] . فالرافعي أطلق هذا الحكم على الشعر، وفي ظاهره أن حكمه في صالح المؤلف، إلا أن أدبية الهدف لا تقتضي بالضرورة عدم صلاحية هذا الشعر للدلالة على الحياة الجاهلية كما سنرى في السطور التالية. وقد خاض في رده على هذا الفصل خلال عدة مقالات أهمها تلك المعنونة بـ"أستاذ الآداب والقرآن إلى هيئة كبار العلماء ومجلس إدارة الجامعة" [2] . وكان غرض الرافعي الرئيس حين رد فيها أن ينبه كعادته إلى نية المؤلف، ويبين أنه لم يعقد هذا الفصل إلا لإثبات بشرية القرآن، مستشهدًا عليه بعبارات كتابه من أمثال: (وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدق أن القرآن قد ظهر في أمة جاهلة همجية) .
ولم يعط الخضري أي أهمية لهذا الفصل، بل انتقل مباشرة لما يليه، ولم يعدها من المقدمات التي اعتمد عليها المؤلف وصب هو عليها لب رده، بل ربما عدها مما يطيل به من غير أن يكون له أثر في الإنتاج [3] ، بالرغم من وجود عدة قضايا فيه لم تغب عن ملاحظة بقية النقاد.
أما الخضر حسين فتناول طرف المقارنة الآخر وهو القرآن، فقد احتوى القرآن على نبذة من أنباء الجاهلية جاءت على سبيل النعي على بعض ضلالاتهم، لأن القرآن لم ينزل لتمجيدهم أو ليكون مرآة لحياتهم إنما هو كتاب نزل لتقويم العقائد وتهذيب الأخلاق وتنظيم الصلة بين الخالق والمخلوق، وهذا يقتضي أن لا يعرّج على ما يدل أو يشعر بشيء من محاسن العرب إلا قليلًا. فالمقتصر في تاريخ العرب قبل الإسلام على القرآن إنما يأخذ صورة خالية من تلك المزايا التي لم يهملها القرآن إنكارًا، وإنما سكت عنها لأنه لم يكن مؤرخًا ولا مادحًا [4] . وبهذا يكون الخضر قد أسقط على المؤلف فصله ببيان نقص الدليل. فكأن الخضر والرافعي قد أخرجانا بفكرة معينة من رأييهما، هي أن صورة الحياة في الجاهلية قد أتت من القرآن والشعر ... معًا دون أن يقصد أي منهما
(1) ـ 159.
(2) ـ 150.
(3) ـ 5.
(4) ـ 39.