نقده وجهًا. وللمؤلف أن يبحث فيما سكتوا عنه وينقده بطريق علمي غير هذه الكليات المرمية عن غير بحث واستقراء [1] . وقد أصاب الخضر حسين حين ختم بهذا التوجيه العلمي، فقد روى أصحاب التراجم والحديث والسير أن للعلماء مع العامة وأدعياء العلم والكذبة والوضاعين وقائع، حين أنكر العلماء ما وسعهم الإنكار، وسكتوا ما وسعهم السكوت خوف الصفع وخشية العامة. من ذلك ما جاء عن محمد بن جرير الطبري لما سمع قاصًا ببغداد فسر قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا} فقال:"أنه يجلسه معه على عرشه". فاحتد الطبري من ذلك وبالغ في إنكاره وكتب على باب داره:"سبحان من ليس له أنيس ولا له في عرشه جليس". فثارت عليه عوام بغداد ورجموا بيته بالحجارة حتى استد بابه بالحجارة وعلت عليه [2] .
ولم يفض وجدي في نقد هذا الفصل إنما ابتدأه بالموافقة على ماقال المؤلف وجعل ما ذكره عن القصص والقصاص كلامًا ثمينًا من ناحية تحديد القصص وتصوير نفسية القصاص. وكل ما يلاحظه عليه أن القارئ يخيل إليه لما ذكره عنهم أنهم من الطوائف ذات الاتصال الوثيق برجال الدين وأنهم عاونوهم على التأثير على عقول العامة. والحقيقة أن بنية العالم الإسلامي لفظت القصاص من يوم أن ظهروا بعد خلافة عمر بن الخطاب. فكان يجب على المؤلف أن يصور مكانهم من الإسلام وذويه. وبما أن هذا فاته فقد نبه إليه وجدي ونقل ما ورد عنه في كتب أئمة المسلمين [3] .
وتنبيه وجدي واستدراكه على المؤلف شيء جميل، لكن وصف الكلام عن القصاص في كتاب الشعر الجاهلي بالثمين رغم ما فيه من أخطاء بينها غيره يدل على عدم تدقيقه بما يكفي. صحيح أن الأساسيات التي انطلق منها الدكتور طه حسين في تصوير القصاص صحيحة، ولكنه أساء استغلالها. ولم
(1) ـ 245.
(2) ـ الدكتور قاسم السامرائي، تحقيق (كتاب القصاص والمذكرين) ، تصنيف الإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي ابن الجوزي / 24، الطبعة الأولى، 1403 هـ - 1983 م، دار أمية للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية. (قاسم السامرائي فيما بعد) .
(3) ـ 143.