فهرس الكتاب
وكعادته وضح جمعة في بداية رده حقيقة الشعوبية وتحدث عنها حديثًا تاريخيًا. فالعلماء يرون الشعوبية فرقة من الناس ذهبت إلى تصغير شأن العرب، ولا ترى تلك الفرقة لهم فضلًا على غيرهم. وقد وصفت تلك الفرقة بذلك لانتصارها للشعوب المغايرة للقبائل العربية. وعدّدَ بعض أركان الشعوبية، وبين أن أدبها كله صادر عن نفاق في الاعتقاد، وعن حقد في النفس، وهي أشبه الأشياء بالعصبية والحمية والنخوة في الجاهلية. ثم انصرف إلى التحليل الاجتماعي واتفق مع وجدي في أن ظهور الشعوبية أمر طبيعي، فلكل مدنية ودولة أعداء، ولا يمكن أن تجتمع الإنسانية كلها على محبة قوم وتمجيد ثقافتهم. هذه باختصار هي الشعوبية التي عقد لها المؤلف فصلًا كان فيه على العرب ومدنيتهم - في رأي جمعة - أشد من الشعوبية أنفسهم [1] . لكنا نلاحظ هنا أن جمعة لم يبت في أمر انتحال الشعوبية للشعر ومدى صدقه.
أما الغمراوي فقد اكتفى من كل ذلك ببيان فساد طريقة المؤلف في الحديث عن الشعوبية، والاستدلال على أثرها في الانتحال، عن طريق ذكر الأسئلة التي كان ينبغي للمؤلف الإجابة عليها، حتى يتسم بحثه في الشعوبية بالعلمية. فهو لم يبحث أولًا عنها ما هي ومتى نشأت وكيف نمت؟ ثم متى كانت ظاهرة فردية؟ وهل صارت بعد ظاهرة قومية وإلى أي حد كان انتشارها؟ وماذا كانت آثارها؟ وهل حملت أهلها على الكذب ولم تحملهم على غيره أم هل كان كل أثرها استثارةَ أهلها إلى التفاخر كل بما يعلم لنفسه من المآثر التي لا ينازعه فيها خصمه؟ أم هل أخذ أهلها بحظ من الصدق وحظ من الكذب؟ وفيم كان هذا وذاك؟ وما حظ الشعر الجاهلي من الاثنين؟ ولم يبحث من ناحية أخرى عن العوامل المضادة للشعوبية خاصة وللعصبية عامة ماذا كان موجودًا منها وإلى أي حد كان موجودًا؟ وماذا كان أثره في مكافحة هذه العصبية الجنسية وإلى أي حد أفلح وما نتيجة تلك المكافحة. كل هذا وشبهه كان من الضروري بحثه بالاستناد إلى الحوادث المعينة والحقائق المعدودة قبل أن يستطاع تعيين قسط الشعوبية من تبعة وضع الشعر على الإسلاميين والجاهليين.
(1) ـ 244، وما بعدها.