مسألة لا تأويل لها إلا أن المؤلف يحب أن يكون هذا الشعر الجاهلي منحولًا [1] . فهذا تنبيه على نيته التي تضرب بالأدلة والحقائق التاريخية عرض الحائط.
وقد أنهى الخضر حديثه في هذا الفصل بذكر قاعدة معرفة الشعر الصحيح من المنتحل التي وضعها القدماء فكفونا معظم شر الانتحال. فالنظر يرجع إلى رواية الشعر من جهتين: أولاهما جهة ما يترتب عليها من إثبات لغة أو تقرير قاعدة، فيطمحوا إلى أن يثقوا بأن المروي صدر عن عربي فصيح، ولا يعنيهم بعد هذا أن يكون قائل البيت امرؤ القيس أو ابن ميادة أو ما بينهما، ولا يمس غرضهم بسوء أن يكون منحولًا طالما تلقوه عن عربي مطبوع. فمن هنا عنوا بالبحث عن حال الرواة فيما يرجع إلى الثقة بهم أو الطعن فيهم. ثانيهما جهة صلة الشعر بقائله وصحة نسبته إليه. ولهم في ذلك طريقتان: طريقة النقل، وطريقة العلم بحال الشاعر كنسجه الذي يمتاز به عمن عداه [2] .
فشرح الخضر الطريقة ليعطي رده الصفة العلمية اللازمة، ويبدو أن هذه الطريقة العلمية مبنية أساسًا على أن مسألة الشعر الجاهلي من المسائل النقلية التي لا يمكن اليقين فيها إلا بالنقل المتواتر، فإذا كان هذا لم يحصل ... فيما مضى، فلن يحصل الآن ولا في المستقبل، لأن موضوعه الزمن الماضي [3] .
أما بالنسبة لوجدي فإنه كان قد قرر أن ينهي كتابه عند هذا الحد فكان آخر تعليق له فيه عن هذا الفصل بأنه لم يجد فيه شيئًا يستحق النقد، وقد مر كلامه عن الرواة في أول الكتاب وإن فيه لبلاغًا [4] . ولست أدري لماذا لم يجد فيه ما يستحق النقد؟ هل لأنه لم يجد به خطأ، فهذا مردود بإطالة الباقين، أو أنه اكتفى بمن نقده ولم يجد ما يزيده عليهم، وربما كانت هذه عبارة تدل على أن الأخطاء في الفصل واضحة لا تحتاج إلى تبيين النقد لها.
(1) ـ 265.
(2) ـ 281.
(3) ـ مقال المنار / ج 9 / م 27/ 684.
(4) ـ 153.