فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 341

ثم بين جمعة أنه قد أجمع العلماء والنقاد على أن روايات الرواة على إجمالها صادقة. وقد تنسب الأبيات إلى غير قائلها بدون قصد سيئ إذا تشابهت قصيدتان في الوزن والقافية. ولم يقل أحد أن النقاد والأدباء قبلوا شعرًا موضوعًا أو مزادًا فهؤلاء العلماء كانوا رقباء على الرواة كما كان الرواة رقباء على الأعراب. وفيها تنبيه على تدقيق السابقين، فتدقيقهم يسقط حكم المؤلف من أساسه.

وتنبيه جمعة على إجماع العلماء والنقاد على صدق رواية الرواة رد مهم، يعتمد على علم أدبي دقيق، إذ موثوقية الرواية الشفوية أمر لم يكن قاصرًا على الأدب العربي القديم، فالآداب العالمية القديمة لعبت فيها الرواية الشفوية دورًا مهمًا، وبنيت عليها أساسيات الآداب ومصادرها التي لا زالت إلى اليوم ثابتة موثوقة، كما بنيت عليها نتائج أصبحت من أساسيات الفكر والأدب. لأنه في كثير من المجتمعات القديمة كانت الكلمة المروية أو المحكية هي الوسيلة البارزة في نقل الأخبار والمعلومات العامة. وأكثر من هذا يمكن القول بأن الثقة بصدق الكلمة المروية وعدم الثقة بصدق الكلمة المكتوبة قد انعكس في آراء بعض الفلاسفة القدماء. وقد أثبتت بعض الدراسات الحديثة قضية موثوقية الرواية الشفوية في الشعر الجاهلي بمنهج علمي مبني على دراسة وتحليل القصائد الجاهلية وما فيها من قوالب صيغية وعبارات مكررة. وخرجت بنتائج تناقض كلام الدكتور طه حسين وتتفق في المقابل مع من أنكروا عليه نتائجه [1] .

وقد كان للدين ولا سيما في مجال رواية الحديث ودراسته، ثم في مجال تفسير القرآن الكريم، كان له أكبر الأثر في التدقيق في رواية التراث والاستشهاد به، وعلم الرجال علم تتفرد به الدراسات العربية الإسلامية في تاريخ الإنسانية قاطبة. وهذه الحقيقة وحدها تنهض لترد كثيرًا من دعاوى الشك على أعقابها [2] .

أما الغمراوي فوضح كعادته الطريقة العلمية التي كان بوسع المؤلف أن يتخذها بدلًا من افتراءاته ومزاعمه. فقد كان من المعقول أن ينتهز فرصة انقسام الرواة إلى أمناء وغير أمناء فيحاول امتحان الشعر من ناحية رواته وينظر أي

(1) ـ خالد سليمان / 117.

(2) ـ محمد أبو الأنوار / 148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت