الأسباب التي دعته إلى قول ما نظم [1] . كل هذا لم يقم به المؤلف، فكتاب الشعر والشعراء معظمه رغاء كرغاء البعير، ودفاع المؤلف فيه مفتقر من مادة البحث الصحيح، فأخذ يعيد ما قاله في الفصول السابقة ويكرر ذلك بأساليب شتى تدل على الاضطراب والحيرة والهذيان [2] . وقد تفوق جمعة برده هذا على الغمراوي في بيان الطريقة العلمية، إذ خالطت الخبرة الأدبية عنده روح العلم، وأنتجت هذا الكلام. وفي التعليق الأخير دلالة على عدم جدوى ما قام به المؤلف في جزئه التطبيقي كذلك.
أما الغمراوي فيرى في تحليل أكثر علمية لكلام الدكتور طه حسين أن وقوف المؤلف من الموضوع موقفه مما يروي القصاص من الأحاديث والأخبار لأنه لم يظفر بعد بالنصوص التاريخية القاطعة والمرجحة، ولا يزال ينتظر من الأدلة التاريخية ما يكفي لترجيح النفي أو الإثبات - هذا الموقف يُعرّف لنا الأدلة التاريخية تعريفًا جديدًا، فحدها الفاصل أنها ما يقتنع به صاحب الكتاب، وبهذا فقد تجاوز في اعتداده بنفسه واستهانته بغيره الأدب الذي هو من أساتذته إلى التاريخ الذي هو من غير رجاله. وتجاوز القدماء الذين يرى مناهجهم في النقد دون مناهجه إلى المحدثين الذين علموه مناهج النقد. وإلا فكيف يتصور أنهم أقاموا النظريات من غير أن تكون لهم أدلة تاريخية؟ وإن كانت لهم أدلة لم يرضها فلم لم يناقشهم فيها قبل أن يحكم عليها بالعدم [3] . ثم إن من العجيب أن يكتب باحث في الأدب الجاهلي في الشعر والشعراء من غير أن يظفر من ذلك بطائل أو يستند في النقد إلى أصل سديد. وأعجب من هذا أن يفرغ من بحثه من غير أن يخطر له امتحان صحيح الشعر الجاهلي المروي عن ثقات لم يشك هو فيهم كالمفضل وابن سلام وما ورد في المفضليات والأصمعيات وحماسة أبي تمام، ويظهر أن بحر شكه عجز عن هذه الجزر العالية فتركها وشأنها، لم يلفت الناس إليها حتى لا يلفتهم إلى عجزه عنها. ومهما يكن فقد خيب الأستاذ من هذه الناحية أمل الآملين فيه، ولم يبصرهم بشيء ولم يفدهم شيئًا يمكن
(1) ـ 277.
(2) ـ 282.
(3) ـ 280.