فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 341

الشعر فيقول: لا علم لي بالشعر إنما أوتى به فأحمله. فقد كان هناك قوم إذن يأتون بالشعر وكان هو يحمله [1] .

وتعليقًا على هذا بين الرافعي أن ابن إسحاق من المعروفين بالكذب، ولم يكن معنى كلامه إلا أن قومًا يدقون عليه الباب ويهزءون به ويقولون يابن إسحاق خذ الشعر واروه. فإذا كان ابن إسحاق بهذه الغفلة وجب أن لا يصدق ولا يؤخذ كلامه مأخذ النص. وهذا رد يعتمد على إيضاح التناقض في قبول الروايات.

على إن الرافعي بّين أن عبارة ابن سلام هكذا:"وممن هجن ... الشعر وأفسده وحمل منه كل غثاء: محمد بن إسحاق، وكان من علماء الناس بالسير، فقبل الناس منه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر إنما أوتى به فأحمله؛ ولم يكن له عذرًا" [2] . فالكلام يدور على تهجين الشعر وإفساده. ومثل هذا لا يستقيم في العقل أن يعتذر منه ابن إسحاق بقوله"لا علم لي بالشعر"إلا إذا كان الشعر رديئًا فاسدًا ومما لا يجوز على أهل البصر بالشعر، فإذا كان على هذه الصفة فلم لا يكون من عمل ابن إسحاق الذي لا علم له بالشعر ويكون العذر تلفيقًا من كذبه؟ ولو كان هناك قوم يصنعون له الشعر فابن إسحاق ليس أعجميًا بل عربي بليغ، وكلامه في السيرة من الطبقة الأولى؛ فمن كان كذلك وكان في حاجة إلى الشعر لم يهمل أن يختار لعمل الشعر شعراء يأتونه بالجيد لا السفساف، فلا يكون ما يحمله غثًا ضعيفًا، إذن فلا وجه لاعتذاره بأنه لا علم له بالشعر. فإن قلت إنه كان بليغًا يميز جيد الكلام من رديئه، وكان هو الذي يصنع الشعر الهجين الفاسد وجب أن لا يرضاه لمكانه من الضعف - قلنا: هذه شيمة العلماء، حتى إنهم جعلوا شعر العلماء طبقة على حدة، وهم يتسمحون في الرديء من شعرهم لأنهم لا ينافسون به أحدًا ولأنهم غير معدودين في الشعراء [3] .

(1) ـ 95.

(2) ـ محمد بن سلام الجمحي، (طبقات فحول الشعراء) / 8 / م 1، قرأه وشرحه أبو فهر محمود محمد شاكر، الطبعة والتاريخ بدون، الناشر دار المدني بجدة، مطبعة دار المدني المؤسسة السعودية بمصر، القاهرة، مصر. (محمد بن سلام فيما بعد) .

(3) ـ 245.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت